اذهب إلى: تصفح، ابحث
ثقافة اسلامية

أصحاب الأخدود

محتويات المقال

أصحاب الأخدود

أصحاب الأخدود

قصة أصحاب الأخدود من القصص الرائعة، والتي تحمل الكثير من العِبر، وتحث على الثبات على العقيدة مهما كلف الأمر، وتحذر من إيثار الدنيا ومتعِها على الآخرة التي هي خير وأبقى، فالقصة رغم أحداثها المؤلمة والمحزنة، إلا إنها تعطي درسًا في قوة الإيمان والصبر على البلاء، وهذا ما سيتضح من خلال الأحداث.

ملك نجران الظالم

كان أهل قرية نجران -إحدى قرى اليمن- يعتنقون الدينَ النصرانيَّ الصحيح، ويؤمنون بأن عيسى رسولُ الله وليس ابنَه؛ ابتُلي هؤلاء الموحدون بملكٍ ظالمٍ ذي قلب شديد القسوة، يُدعى (ذو نواس)، وكان هذا الملك على دين النصرانية، ولكنه خرج من دينه واعتنق الدين اليهودي؛ ولم يكتفِ هذا الملك صاحب الجبروت بذلك، بل أصر على أن يتركَ أهلُ القرية جميعًا دينهم، وأن يعتنقوا الوثنية، ويتحولوا من عبادة الله الواحد إلى عبادة الأصنام.

رضخ أهلُ القرية لأوامر هذا الملك الظالم خوفًا من بطشه وجبروته؛ فتركوا دين التوحيد واستبدلوا به الشركَ، وتحولت حياتُهم المليئةُ بنور الإيمان إلى ظلام دامس، مرت أعوامٌ طويلة على هذا الوضع المحزن، وكان لهذا الملك ساحرٌ، الذي أحسَّ باقتراب أجله بسببِ تقدمه في السن، فشعر برغبته في أن يورث علمه هذا لصبي ليكونَ خليفته من بعد موته، وبالفعل ذهب إلى الملك وأخبره برغبته تلك، فاستجاب الملك لطلبه، وأحضر له الصبيَّ.

الصبي والساحر والراهب

وقد كان هذا الصبي يمتاز برجاحة عقله ونبوغه الشديدَيْن، وأخذ الساحر يعلمه كل ما أُوتي من علم عن السحر؛ وكان الغلام سريع الاستجابة لفهم كل ما يعلمه الساحرُ إياه، ففرح الساحر لذلك، لأنه اطمئن أن هناك مَن سيحمل علمه بعد رحيله.

كان الصبي يحضر يوميًّا إلى الساحر ليتلقى منه علم السحر؛ وفي أحد الأيام، وبينما هذا الغلام في طريقه إلى الساحر كعادته، إذ استوقفته صومعة فأخذه الفضول ودخل، فإذا براهب نصراني داخلها، جلس الغلامُ وتكلم كثيرًا مع الراهب الذي حدَّثه عن دين النصرانية، فشرح الله قلبَ هذا الصبي لدين التوحيد واستجاب له.

وبعد ذلك بدأ الصبيُّ يداوم على زيارة الراهب في صومعته، ليتزودَ بعلمه ويعرفَ المزيد عن دينه؛ وبسبب ذلك أصبح الصبيُّ يتأخر على الساحر كثيرًا، مما جعله يغضب لذلك. وفي أحد الأيام تأخر الصبي على الساحر فعاقبه بالضرب، فاشتكى الصبي للراهب من ذلك، وأخبره بأنه في حَيْرة من أمره فماذا يقول للساحر عندما يسأله عن سبب تأخيره عليه، فأجابه الراهب قائلًا: إذا سألك الساحر عن سبب تأخيرك فقل له: "حبسني أهلي" وإذا سألك أهلك عن سبب التأخير فقل لهم: "حبسني الساحر".

الناقة علامة طريق الهداية

كان الغلام بين طريقين مختلفين كاختلاف الليل والنهار: طريق الساحر الذي يحاول أخذ يديه إلى الضلال والشرك، والطريق الآخر وهو طريق الراهب الذي يحاول إنقاذه من الضلال والجهل وأخذه إلى طريق النور والهدى، جعلت هذه الأمورُ كلها الصبيَّ في حَيْرة من أمره، ويسأل نفسه ما الطريق الذي يجب عليه السير فيه، طريق الساحر أم طريق الراهب.

ولكن حيرة الصبي هذه لم تستمرَّ كثيرًا، فلقد أراد الله لهذا الغلام الذي لم تتلوث فطرته بعدُ أن يستدل على الطريق الصحيح، الذي يجد فيه سعادته الأبدية؛ ولذلك وفي أحد الأيام جاءت دابة ضخمة ووقفت في منتصف الطريق ومنعت المارة من العبور، وكانت كلما اقترب منها أحدٌ حاولت إيذاءَه.

حاول الناسُ مرارًا وتكرارًا إبعادَ تلك الدابة عن الطريق ولكن باءت محاولاتهم كلها بالفشل، فما كان أمامهم سوى الذهاب إلى الصبي وطلب مساعدته لحل تلك المشكلة لاعتقادهم بأن ما تعلّمه من السحر سوف يكون سببًا في إبعاد تلك الدابة عن الطريق، صمت الغلام قليلًا ثم التقط حجرًا صغيرًا، وتوجه بعينيه إلى السماء قائلًا، اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأزِح هذه الدابة عن طريق الناس، وقذف تلك الناقةَ بهذا الحجر الصغير فسقطت الناقة من أعلى الوادي وماتت؛ وحينها أيقن الغلام أن الساحر على الطريق الخطأ، وأنه من الواجب عليه اتباع طريق الراهب، وعندما تخلصت الناس من مشكلة الناقة التي كانت سببًا في تعطيل مسيرة حياتهم لبعض الوقت، التفوا حول الغلام ليشكروه على فعلته، مادحين سحره العظيم والقوي، ولكنَّ الغلام أخبرهم أن سحره لم يكن سببًا في التخلص من الناقة، بل إن الذي أبعد عنهم شر تلك الناقة هو الله عز وجل.

الإيمان بالله سببًا في حدوث المعجزات

أسرع الغلام إلى الراهب ليخبره بما حدث من أمر الناقة، وكيف أن الله قد بعث له برسالة للرد على سؤاله، ليبين له الحق من الباطل؛ وعندما سمع الراهب ما حدّثه به الغلام، أيقن أن الغلام قد أصبح ذا شأن عند الله تعالى؛ ولكنه تنبأ له بأمر شديد الأهمية، فأخبره بأنه سوف يُبتلى، وحذره بقوله إذا ابتليت فلا تدل علي.

بعد حصول حادثة الناقة تلك، كانت القرية جميعها تتكلم عن هذا الغلام بسبب تدافع الكثير من الكرامات على يده، وحدثت بسببه الكثير من المعجزات فشفى الله على يديه الكثير من الناس، فكان يشفي الأعمى، والأبكم، والأبرص، والعديد من الأمراض التي كانت تُشفى بسببه.

إلى هنا والأمور تسير بشكل جيد؛ ولكن بعد ذلك بدأت العواصف في التدافع واحدة تلو الأخرى، فقد كان من بين جلساء ذلك الملك الطاغي رجل أعمى، وقد سمع هذا الرجل بالمعجزات التي تحدُث على يدي ذلك الصبي، فذهب إليه ومعه الكثير من الهدايا والأموال وقال له: هذه الأشياء كلُّها ملك لك إذا أعدتَ لي بصري، فأجابه الغلام بأن من يشفي هو الله وليس هو، وأمره بالإيمان بالله وحده، ووعده بأنه إذا آمن بالله فسوف يدعو الله له ليعيد إليه بصره مرةً أخرى، وبالفعل آمن الرجل بالله وحده متخليًا عن عبادة ما سواه فدعا له الغلامُ فعاد إليه بصره من جديد.

وفي أحد الأيام كان هذا الرجل يجلس في مجلس الملك كعادته، فوجده الملك قد شفي وعاد إليه بصره، فسأله من الذي أعاد إليك بصرك فأجابه الرجل ربي، فسأله الملك في استنكار: وهل لك رب سواي، فأجابه ربي وربك الله.

انتقام الملك وهلاك المؤمنين

غضب الملك غضبًا شديدًا فعذَّب الرجل حتى يدله على مَن كان سببًا في شفاء بصره، ومن شدة التعذيب دلهم الرجل على الغلام، فأحضروه إلى الملك فسأله أبسبب سحرك هذا تشفي الأبكم والأبرص والأعمى؟ فأجابه الغلام بأنه لا يشفي أحدًا، وأن من يشفي هو الله، فعذَّبه الملك بشدة حتى دله على الراهب، وبعد أن أحضروه عذبوه أشد العذاب حتى يرجع عن دين التوحيد؛ ولكنه صمد صمودًا شديدًا، وأبى أن يرجع عن دينه، فأحضر الملك منشارًا وشقه نصفين ومات الراهب، وفعل ذلك في جليسه أيضًا الذي رُد إليه بصره لإصراره على عدم الرجوع عن دينه.

وبعد ذلك أتوا بالغلام وأمروه بالرجوع عن دين الحق ولكنه أبى، فأمر الملكُ جنودَه بأن يأخذوا الغلام إلى قمة جبل ويأمروه بالرجوع عن دينه، فإن رجع فاتركوه، وإن أبى فألقوا به، فوقف الغلام على قمة الجبل، وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل وسقط جميع الجنود وعاد الغلام إلى الملك، فتعجب الملك، وأمر مجموعةً أخرى من الجنود بأن يأخذوا الغلام داخل سفينة صغيرة إلى منتصف البحر ويأمروه بالرجوع عن دينه، فإن رجع فاتركوه، وإن لم يرجع فاقذفوه في البحر، وعندما وصل الغلام إلى منتصف البحر قال اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرق جميع الجنود وعاد الصبي إلى الملك، فجُن الملك مما يحدث، فقال له الغلام: إنك لست بقاتلي، إلا إذا فعلت ما آمرك به.

الاعتراف بأن الله هو الإله الحق

سأله الملك وكيف ذلك، فقال له: اجمع الناس وخذ سمهًا من كنانتي وضعه في القوس وقل بصوت يسمعه جميع الحاضرين: باسم الله رب الغلام ووقتها سوف أموت، وبالفعل فعل الملك ذلك، ووقف في وسط الحاضرين وقال باسم الله رب الغلام، وأطلق السهم فمات الغلام، وبموت الغلام عرَف الناسُ بأن الملك رغم قوته وجنوده لم يستطع أن يتغلب على الإيمان الذي كان في قلب الغلام والراهب ولا حتى جليسه؛ فكان هذا سببًا في رجوعهم إلى الدين الحق من جديد، وتركوا دين الضلال واعتنقوا دين التوحيد وعادوا إلى النصرانية؛ فلم يعجب هذا الملكَ فجن جنونه، وأمر بحفر الأخاديد في الطرقات ووضع فيها كميات هائلة من الحطب وأوقد فيها النيران، وكان يحضر أهلَ القرية: كبيرَهم وصغيرهم، رجالَهم ونساءهم، ويأمرهم بترك دين النصرانية والعودة إلى الوثنية من جديد، فأبوا وتحملوا عذاب نار الدنيا خوفًا من نار الآخرة.

قصة أصحاب الأخدود في القرآن الكريم

ورد ذكر قصة أصحاب الأخدود في القرآن الكريم، قال الله عز وجل:
وَالسَّمَـاءِ ذَاتِ الْـبُرُوجِ وَالْـيَوْمِ الْـمَوْعُودِ وَشَـاهِدٍ وَمَـشْهُودٍ قُـتِلَ أَصْحَـابُ الْأُخْـدُودِ الـنَّارِ ذَاتِ الْـوَقُودِ إِذْ هُـمْ عَـلَيْهَا قُـعُودٌ وَهُـمْ عَلَى مَـا يَفْعَلُـونَ بِالْمُؤْمِنِيـنَ شُهُـودٌ وَمَـا نَقَمُـوا مِنْهُـمْ إِلَّا أَنْ يُـؤْمِنُوا بِـاللَّهِ الْـعَزِيزِ الْـحَمِيدِ
[سورة البروج: 1-8]
أصحاب الأخدود
Facebook Twitter Google
93مرات القراءة