اذهب إلى: تصفح، ابحث

اسرار سورة البقرة

التاريخ آخر تحديث  2020-09-09 17:46:36
الكاتب

اسرار سورة البقرة

التعريف بسورة البقرة

سورة البقرة هي سورةٌ مدنيةٌ، وهي أوّل ما نزل في المدينة، إلا آية واحدة وهي آية رقم (281) نزلت بمنى في حجّةِ الوداع،[١] وتُعدّ سورة البقرة السّابعة والثّمانين في ترتيب نزول السّور، وقد نزلت بعد سورة المطفّفين وقبل آل عمران، أيّ في بداية إقامة الدّولة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة،[٢] وقد ذكر العلماء أنّ سبب تسمية هذه السّورة بسورة البقرة أنّها تحدّثت عن قصة البقرة التي فرَض الله-تعالى- على بني إسرائيل ذبْحها في عهد النّبي موسى-عليه السّلام- وقد ذكر الطّبريّ عن أبي العالية، قال: (كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وارثه، فقتله ليرثه، ثمّ ألقاه على مفترق الطّريق، وأتى موسى فقال له: إنّ قريبي قُتل، وأتي إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يُبيّن لي من قتله غيرك يا نبي الله، قال: فنادى موسى في النّاس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى، فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يُبين لنا، فسأل ربه، فأوحى الله إليه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)،[٣] فتعجبوا، وشدّدوا على أنفسهم بأسئلتهم عن نوع البقرة ولونها، حتى شدّد الله-تعالى- عليهم ولو أنهم فعلوا ما أُمِروا به بأن يذبحوا أيّ بقرة، لحدث المطلوب، ولكنّهم شدّدوا على أنفسهم، فشدّد الله عليهم،[٤] وسيذكر هذا المقال أسرار سورة البقرة ومكنوناتها.

أسرار سورة البقرة

جاءت آيات سورة البقرة تفصيلٌ وشرحٌ لما جاء في سورة الفاتحة؛ فقول الله تعالى: (الحمد لله) جاء تفصيلها في سورة البقرة من الأمر بالذّكر، والدّعاء، والشّكر، وقوله سبحانه: (رب العالمين) شرْحها في ذكر قصة خلْق آدم-عليه السّلام- إذ هو أبو البشر، لذلك قُدِمت السّورة في أول المصحف الشّريف، ومن أسرار سورة البقرة أنّها من أجمعِ سور القرآن الكريم للأحكام الشرعيّة والأمثال؛ لذلك هي أطول سوره، وقد خُتمت سورة البقرة بالدّعاء المفصّل بألا يُحاسب المؤمنين إذا وقعوا بالخطأ أو النّسيان، وأن يُخفف عنهم ما لا يتحملونه ممّا كان الأمم السّابقة يفعلونه، وأمّا ما جاءت به سورة الفاتحة في نهايتها من دعاءٍ مجملٍ للمؤمنين بطلب الهداية على الطّريق المستقيم، وأن لا يسلكوا طريق المغضوب عليهم ولا الضّالّين من اليهود والنّصارى،[٥] وأمّا عن فضل سورة البقرة فقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أنّه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقابِرَ، إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الذي تُقْرَأُ فيه سُورَةُ البَقَرَةِ)[٦] ففي هذا الحديث النّبوي الشّريف بيان لفضل قراءة القرآن الكريم في البيوت؛ لأنّ فيه الخير والبركة لمن يقرأه، فكيف بسورة البقرة الطّاردة للشيطان والجالبة للطّمأنينة، فالبيوت الخالية من القرآن هي بيوتٌ ميْتة، وخاوية وآيات القرآن الكريم تُحييها، ويُعمّرها،[٧] ومن فضلها كذلك أنّها تأتي يوم القيامة كغمامة في موقف عظيم، حين تكون الشّمس قريبة إلى الأرض فتُظلّ قارؤها وتحميه من حرّها، فترك قراءتها حسرة على الإنسان؛ لأنّها جالبة للشّيطان وأعوانه من السّحرة، وهذا ما جاء في حديثٍ نبوي شريف يرويه أبو أمامة الباهلي-رضي الله عنه- سمع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول: ( قْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ، وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن أصْحابِهِما، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ، قالَ مُعاوِيَةُ: بَلَغَنِي أنَّ البَطَلَةَ: السَّحَرَةُ، (وفي رواية): غيرَ أنَّه قالَ: وكَأنَّهُما في كِلَيْهِما، ولَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعاوِيَةَ بَلَغَنِي)[٨]

تفسير آية الكرسي

إن من أسرار سورة البقرة أنّها تحتوي على آيات عِظام، فكان من شأنها أن بُدء بها القرآن الكريم، ومن آياتها العِظام آية الكُرسيّ التي يصف الله-تعالى- نفسه بها بأنَّه الإله المعبود الذي يستحقُّ العبادة، والذي لا يَحتاج لأحدٍ، والقائمُ بأمور خَلْقه الذي خلقهم- جلّ وعلا- والذي لا يُصيبه تعبٌ ولا نَصبٌ ولا يَغلِبه نومٌ، له ملكوت السّمَوَات والأرض، ولا يستطيع أحدٌ أن يَشفَع عنده إلَّا من بعد أن يأذَن له سبحانه، يعلم جميعَ أمور العباد، ما كان منها وما سيكون، ولذلك خلقهم، وقد سمّيت آية الكرسي بهذا الاسم بسبب كلمة (كُرْسِيَّه) والكُرسيُّ هو موضِع قَدَمَي الربِّ عزَّ وجلَّ،[٩] وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (الكرسيُّ موضعُ القدميْنِ، والعرشُ لا يَقْدِرُ أحدٌ قدْرَه)،[١٠][١١] ومن عِظم هذه الآية ما رواه أُبيّ بن كعب في رواية يرويها عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عندما سأله: (يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: (اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هو الحَيُّ القَيُّومُ) [البقرة:255]. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ)[١٢] ومن وصايا الرّسول الكريم لأبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( دَعْني أُعلِّمْك كلماتٍ ينفعك اللهُ بها قلتُ: ما هنَّ؟ قال، إذا أَوَيتَ إلى فراشِك، فاقرأ آيةَ الكرسيِّ : ( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) حتى تختم الآيةَ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربُك شيطانٌ حتى تصبحَ) [١٣]

فضل آخر آيتين من سورة البقرة

جاء في أواخر سورة البقرة قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين ﴾[١٤] فالمؤمنون الذين في الآية يؤمنون بأن الله واحد لا شريك له، ولا معبود سواه، لذلك وجب عليهم أن يُصدقوا بجميع الأنبياء، والرّسل، والكتب الآلهية المنّزلة على المرسلين والأنبياء، من غير تفريقٍ بينهم، فلا يؤمنون ببعضهم ويكفرون ببعض، فكلهم جاؤوا من ربٍ واحدٍ، وبرسالة موحّدة، وحق العباد الطّاعة لله-تعالى- لأنّه الخالق المستحقّ للعبادة،[١٥] وختمت الآيات بدعاء المؤمنين لله-تعالى- بأن لا يكلّفهم فوق طاقتهم، وأن يغفر لهم ذنوبهم، ويرحمهم، وينصرهم على من أنكر وحدانيته سبحانه،[١٦] وأمّا عن فضّلها فقد روى أبو ذر وحذيفة بن اليمان حديثًا عن النّبي-عليه السّلام- قال: (أُعطِيتُ هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحت العرشِ، لم يُعطَها نبيٌّ قَبلي)[١٧]

المراجع

  1. التفسير الكبير، سورة البقرةتم الاطلاع على المقال في تاريخ 6-8-2020
  2. التحرير والتنوير، سورة البقرة، مقدمة السورةتم الاطلاع على المقال في تاريخ 6-8-2020
  3. سورة البقرة، 67
  4. قصة بني إسرائيلتم الاطلاع على المقال في تاريخ 7-8-2020
  5. من أوجه المناسبة المتعلقة بسورة البقرة تم الاطلاع على المقال في تاريخ 7-8-2020
  6. الراوي : أبو هريرة، المحدث : مسلم، المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 780 خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
  7. شرح حديث (لا تجعلوا بيتوكم مقابر)تم الاطلاع على المقال في تاريخ 7-8-2020
  8. الراوي : أبو أمامة الباهلي، المحدث : مسلم، المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 804، خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
  9. [2396] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (6/584-585)، ((تفسير ابن كثير)) (1/681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/254-255). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ الكرسيَّ هو موضع القدمين: أبو موسى، والسُّدِّي، ومسلم البطين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/538).
  10. [2397] أخرجه عبد الرزَّاق في ((تفسيره)) (3030)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (1/249)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (2601)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (2/582)، والحاكم (3116). وثَّق رواته الذهبي في ((العلو)) (76)، وصحَّحه موقوفًا ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (1/457)، والألباني في ((شرح الطحاوية)) (279).
  11. التفسير، سورة البقرة تم الاطلاع على المقال في تاريخ 8-8-2020
  12. الراوي : أبي بن كعب، المحدث : مسلم، المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 810، خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
  13. الراوي : أبو هريرة،المحدث : الألباني، المصدر : صحيح الترغيب الصفحة أو الرقم: 610، خلاصة حكم المحدث : صحيح
  14. سورة البقرة ، 285-286
  15. تفسير أواخر سورة البقرة تم الاطلاع على المقال في تاريخ 8-8-2020
  16. فصل في تفسير آخر آيتين من سورة البقرة تم الاطلاع على المقال في تاريخ 8-8-2020
  17. الراوي : أبو ذر وحذيفة بن اليمان، المحدث : الألباني، المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 1060،خلاصة حكم المحدث : صحيح
مرات القراءة 102 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018