اذهب إلى: تصفح، ابحث

الاندلس من الفتح الى السقوط

Article Date 07 / 09 / 2018
Article Author أنس حموتير
محتويات المقال

الاندلس من الفتح الى السقوط

الأندلس من الفتح إلى السقوط

يُطلَق اسم "الأندلس" على المنطقة التي كانت تحت حكم المسلمين في شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، وقد دخلها المسلمون أيام الفتوحات الأولى في عهد الدولة الأموية إبان فترة حكم الخليفة الوليد بن عبد الملك، ليطول وجود المسلمين في الأندلس قرابة ثمانية قرون (781 سنة).
يُعدُّ فتح الأندلس من الأمور التي يكتنفها الغموض، ليس على مستوى التواريخ والأحداث، لكن على مستوى التفسير التاريخي للخلفيات الاقتصادية والسياسية والدينية المفَسَّرة من طرف كل مدرسةٍ تاريخية على حدة.

فتح المسلمين للأندلس

بدأت الدولة الأموية في توسيع رقعة نفوذها منذ عهد المؤسس الأول معاوية بن أبي سفيان؛ فقد بدأت تتوسع شمالًا من شبه جزيرة العرب إلى الحدود مع البيزنطيين، وشرقًا إلى تخوم بلاد فارس، وغربًا في اتجاه مصر وإفريقية (تونس)، مرورًا بالمغرب الأوسط (الجزائر)، ووصولًا إلى المغرب الأقصى (المغرب).
مرَّ فتح المسلمين لهذه المنطقة الواقعة في أقصى الشمال الغربي لإفريقيا بجملةٍ من الصعوبات التي تتلخَّص في المقاومة الشرسة للقبائل الأمازيغية، إلا أن القائد العسكري موسى بن نصير، بعد أن اختاره الخليفة الأموي لمهمة استكمال فتح المغرب واستخلفه مكان والي إفريقية حسان بن النعمان، الذي كان له فضل كبير في توطيد نفوذ المسلمين بالكثير من المناطق بالمغربين الأوسط والأدنى (أبو عبيد البكري ـ كتاب "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب")، استطاع أن يوصل الإسلام إلى المغرب الأقصى، وأن يثبت ركائز السلطة الأموية في مختلف ربوع هذه المنطقة.
دخل الكثير من الأمازيغ في الإسلام واستماتوا في الذود عن هذا الدين ونشره، فبرز الكثير من القادة الأمازيغ الذين شاركوا -إلى جانب إخوانهم العرب- في استكمال حملات الفتح ونشر الدين الحنيف. ومن بين هؤلاء، حفر القائد المسلم الأمازيغي طارق بن زياد اسمه بحروفٍ من ذهب على جدران تاريخ الفتوحات الإسلامية.
يذكر ابن عذارى المراكشي في (البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب) أنه قبل أن يتوجه المسلمون إلى الأندلس راسل موسى بن نصير الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يبلغه باستعداده مع والي طنجة طارق بن زياد للمسير في اتجاه الأندلس (فالمسألة مصيرية وجدُّ خطيرة، ومن الممكن لأي خطأ أن يضع حدًّا للحركات العسكرية الإسلامية هناك)، فأمره الخليفة بأن يتريث ويرسل السرايا لاستكشاف البلاد واختبارها أولًا.
ويذكر دوزي رينهارت في كتاب (المسلمون في إسبانيا) أن موسى بن نصير أرسل قائدًا أمازيغيًّا يُدعى طريف بن مالك المعافري على رأس سرية من خمسمئة رجل؛ فاتجه إلى جزيرة بالوماس الواقعة جنوب الساحل الإيبيري، والتي سُمِّيت على اسم فاتحها بجزيرة "طريف Tarifa" سنة 710م، ثم اتجه إلى الشمال الشرقي بنحو 20 كم فاتحًا "الجزيرة الخضراء Algerciras" بكلِّ يسر، ثم توجه عائدًا حاملًا الغنائم الوفيرة، فاقتنع حينها موسى بن نصير بضعف القوى الدفاعية الإيبيرية، ليرسل في شهر رمضان المبارك لسنة 711م والي طنجة طارق بن زياد على رأس جيش مكون من سبعة آلاف مقاتل بين عرب وغالبية أمازيغية. وعن ذلك يورد ابن الأثير الجزري في الجزء الرابع من كتاب (الكامل في التاريخ): "... نزل تجاه الجزيرة الخضراء عن صخرة الأسد، وسيطر على الجبل بعد أن حمي الوطيس بينه وبين القوط"، فسُمِّي ذلك الجبل باسمه إلى اليوم "جبل طارق Gibraltar"، ويذكر ابن قتيبة في كتاب (الإمامة والسياسة) أن طارق بن زياد لما استولى على الجبل المذكور نظَّم جيشه ثم توجه إلى حصن قرطاجنة ففتحه وعسكر به، وجاءته أخبار من جواسيسه في المنطقة بأن ملك إسبانيا رودريغو Rodrigo قد حشد جيشًا عرمرمً لمحاربة المسلمين وردِّهم عن الأندلس، فطلب من موسى بن نصير المدد، فأرسل له الأخير تعزيزات قوامها خمسة آلاف جندي، فأعدَّهم طارق وألقى خطبته الشهير، إلا أن المؤرخين يختلفون بشأن حقيقة إلقاء طارق بن زياد لهذه الخطبة من عدمه، ويعتمد المشككون على فرضية أنه لم يكن فصيح اللسان ضليعًا بلغة العرب حتى يلقي خطبةً كتلك.
على كل حال، قاتل جيش المسلمين ببسالة واستماتة؛ فهزموا جيش رودريغو وقتلوه، ليُفتَح الباب على مصراعيه أمام توسعات المسلمين بشبه جزيرة إيبيريا.

تأسيس الإمارة الأموية بالأندلس، وعهد ملوك الطوائف

  • تأسيس الإمارة الأموية بالأندلس:
    استقل ولاةُ الغرب الإسلامي بشكلٍ غير مباشر عن سلطة الأمويين في المشرق، وذلك بسبب ضعف السلطة المركزية بدمشق في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك من جهة، وأيضًا بفعل ثورات بعض القبائل الأمازيغية وتحالفها مع الخوارج وانهماك الأمراء في المغرب بمواجهتها من جهة أخرى.

ولم يمر وقت طويل حتى انهارت الدولة الأموية خلال عهد آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد في معركة الزاب، التي سُمِّيت نسبةً إلى نهر الزاب شمال العراق؛ ففر الكثير من أمراء بني أمية تجاه المغرب، ومن بينهم عبد الرحمن بن معاوية، الذي لم يلقَ الاستقبال المنشود من أمراء المغرب، إلا أنه توجه إلى الأندلس، حيث كانت القبائل المسلمة المتفرقة فيها تتعرض لهجمات المسيحيين؛ فوجدها فرصةً سانحة لتأسيس دولة أموية هناك، وبالفعل تحقق الأمر، إذ بايعه العامة والتف حوله الناس ولقبوه باسمه الشهير عبد الرحمن الداخل.

  • عهد ملوك الطوائف بالأندلس:
    يذكر الأستاذ أنس حموتير في كتاب (الفتح المبين في ذكر أخبار دولة المرابطين) أن عهد ملوك الطوائف بالأندلس يُعدُّ تاريخًا ملتبس المعالم في الغرب الإسلامي؛ إذ يفتقر إلى المادة المصدرية للفترة من جهة، مما أنه يشكل نموذجًا للفرقة بين المسلمين من جهة أخرى، فقد تشكلت هذه الدويلات نتيجةً لتحالفاتٍ ونزاعات أًسرية بين مختلف الولاة والأمراء والقضاة في المنطقة، فكانوا في نزاعٍ مستمر فيما بينهم أدى إلى استعادة النصارى لأجزاءٍ كبيرة من أراضي الأندلس، بل تحالف الكثير من أمراء الطوائف وملوكهم في الكثير من المناسبات مع النصارى ضد دويلات طوائف أخرى.

ومن هذه الأمثلة ما ذكره أبو عبيد البكري الأندلسي في كتابه (المسالك والممالك): أن محمدًا المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية تعاهد مع ملك "قشتالة" على غزو أراضي مملكة طليطلة... على أن يسلم منها إليه الأراضي الواقعة شمال جبال الشارات... وكما فعل يحيى القادر بن إسماعيل عندما تنازل للملك ألفونسو عن الكثير من الحصون مقابل دعمه ضد جيرانه من ملوك الطوائف.

الحكم المرابطي للأندلس

تُعدُّ دولة المرابطين دولةً مجاهدة موحدة لأجزاء المغرب الإسلامي التي كانت متصدعةً ومتفرقة، وناشرةً أيضًا للإسلام في تخوم أدغال إفريقيا وممالك الزولو جنوب المغرب. إلا أن سيطرة المرابطين على الأندلس لم تكن في حسبان الأمراء المرابطين منذ البداية، فقد توجهت جحافل جيوش يوسف بن تاشفين لمساعدة ملوك الطوائف، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، الذي أرسل كتابًا إلى الأمير المرابطي يطلب فيه المساعدة. والحري بالذكر أن يوسف بن تاشفين كان قد قطع البحر مرتين لمساعدتهم، وتُعدُّ معركة الزلاقة أهم معارك المسلمين المرابطين ضد جيوش ألفونسو؛ إذ هزموها عقبها هزيمةً نكراء، أما في المرة الثالثة فكان جواره بهدف وقف صراعات ملوك الطوائف بلمِّ شمل الأندلس الإسلامي بصفةٍ نهائية، فعادت أمجاد المسلمين مرةً أخرى إلى هذه المنطقة. (الأستاذ أنس حموتير، المرجع السابق).

الحكم الموحدي للأندلس وسقوطها

انهارت دولة المرابطين في المغرب الإسلامي أمام الزحف الموحدي بقيادة محمد بن تومرت الملقب بالمَهْدِي سنة 1121م، والذي كان يؤسس الدولة الموحدية، وأصبحت هذه الدولة الجديدة تسيطر على الغرب الإسلامي والأندلس، كما ظلت تواجه الأطماع المسيحية لمناطق نفوذها خصوصًا في الأندلس؛ فدارت الكثير من المعارك بين الموحدين وبين جيوش ألفونسو الثامن، ومن أشهرها معركة الأرك، التي دارت رحاها سنة 1195م بقيادة السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور الذي هزم فيها جيش النصارى هزيمةً نكراء، ووطَّد بذلك نفوذه بشكلٍ أكبر في الأندلس.
ظل الحكم الموحدي قويًّا إلى حدود 1269م، حين أنهى المرينيون وجودهم نهائيًّا بالمغرب، لكن قبل ذلك كانت الدولة الموحدية قد ضعفت بشكلٍ كبير بسبب تحالف الممالك المسيحية في الأندلس ضدها (مملكة أراغون، مملكة قشتالة وليون، مملكة البرتغال)، في إطار ما سُمِّي تاريخيًّا بحروب الاسترداد، فبدأت تتوسع في أراضي المسلمين إلى أن وقعت معركة العُقاب سنة 1212م، التي هُزِم فيها السلطان الموحدي محمد الناصر، كما هُزِم المسلمون في معركة طريف سنة 1340م.
وهكذا بدأ نفوذ المسلمين بالأندلس في الأفول، وسقطت مدن إيبيريا الواحدة تلو الأخرى في يد النصارى، إلى أن سقطت آخر معاقل المسلمين نهائيًّا، وهي دولة بني الأحمر في غرناطة عام 1492م.

الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018