اذهب إلى: تصفح، ابحث

التفاؤل في الاسلام

23 / 11 / 2018
Doaa Jamal
محتويات المقال

التفاؤل في الاسلام

التفاؤل

التفاؤل عكس التشاؤم وهو مصدر الفعل تفاءل، ويُعرّف لغة بأنه الاستعداد النفسي للمرء ليرى الجانب الحسَن أو جانب الخير في مختلف الأمور، وهو الاستعداد الذي يمنحه الفرصة لكي يطمئن ويتحمل مصاعب الحياة، وحينما يُقال عن شخص ما بأنه دائم التفاؤل، يعني ذلك أنه دائم الانشراح لكل شيء، وهو الشخص الذي يرى كل شيء جميل، والفأل في اللغة عكس الطيرة، ويكون فيما يحسن وفيما يسوء من الأمور، واصطلاحاً هو الكلمة الصالحة والحسَنة التي تخرج من فم صاحبها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: (لا طِيَرةَ وخيرُها الفَأْلُ) فقيل: يا رسولَ اللهِ وما الفَأْلُ؟ فقال: (الكلمةُ الصَّالحةُ يسمَعُها أحَدُكم)،[١]


والتفاؤل هو أن يُحسن المسلم ظنه بالله تعالى، وأن يتوقع حدوث الخير، وإذا حدثت مصيبة ما لا يجعلها باباً لليأس، وإنما يثق بأن القادم هو الأفضل، وأن الذي في يد الله أوثق من الذي يملك بيده لذلك عليه أن يستبشر بما هو عند الله، والتفاؤل هو من صفات المؤمنين والعظماء، فالمؤمن يؤمن بأن الله هو القوي وبيده كل شيء، وهو قادر على تغيير الأمور وقلب الموازين في أي لحظة، لذلك يكون متفائلاً ولا يسمح لليأس أن يأخذه إلى القاع ويسيطر عليه، والتفاؤل لا يعني بالضرورة أن تتحقق الأشياء التي يريدها المرء، وإنما هو وسيلة للقضاء على اليأس والتشاؤم، لأن من يتشاءم يبتعد عن الله ورسوله وفي التفاؤل قرب منهما.

التفاؤل في الإسلام

إن من الأسس التي قامت عليها عقيدة الإسلام هو تفويض المسلم أموره لله رب العالمين مع أخذه بالأسباب كاملة، أي أنه يأخذ بالأسباب في أموره جميعها ويترك النتائج إلى الله -سبحانه وتعالى-، ومن هنا كانت البداية في الحث على التفاؤل وترك الطيرة والتشاؤم، وقد نهى الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن التشاؤم وكان يحث أصحابه على التفاؤل والعمل والجد مهما كان الظرف شديداً، كما كان يأمر بغرس روح التفاؤل في المجتمع، حيث يلقى المسلم أخاه المسلم بوجه فرِح وبشوش ويجعله يتفاءل بدلاً من لقائه بوجه عبوس ومتشائم وينشر روح التشاؤم في الجلسات، ومن الأمور التي دعا الرسول إليها والتي من شأنها نشر التفاؤل هي إفشاء السلام في المجالس لكي تنتشر المحبة والألفة بين الجالسين، وأمر أيضاً بتحسين أسماء الأبناء، واختيار الأسماء التي تدعو معانيها إلى التفاؤل بالحياة، ومن الأمور التي نهى عنها والتي تبث التشاؤم في نفوس الأفراد سب الدهر، والحديث بأن الناس هالكين لا محالة، وبأن الخير انتهى منهم وما إلى ذلك.


ولم يخلق الله -سبحانه وتعالى- الدنيا على حال واحدة، وإنما جعلها متقلبة ففيها الخير والشر، وفيها صلاح وفساد، وفيها أمل ويأس، وفرح وحزن، وهي لا تصفو لأحد من الخلائق بصفة دائمة، ولا تتكدر على أحد بصفة دائمة أيضاً، والمسلم المؤمن هوالذي يلقى الحياة بصدر رحب، ويتفاءل بها أياً كانت، ويبقى على أمل ويُحسن الظن بالله، ويدعو الله ويستبشر بالإجابة، فهو يعلم أن واقعه لن يخلو من الأمور الإيجابية ولن يخلو من الأمور السلبية أيضاً، وعليه أن يحمد الله على الإيجابيات ويواجه السلبيات ويحاصرها ليغيرها مستبشراً ومتفائلاً، وقد جاء الإسلام مُطهراً لقلوب البشرية من التصورات السلبية، وحثهم على علو الهمة والانشغال بالأمور الإيجابية التي فيها صلاحهم.


ويُمكن القول أن التفاؤل والتشاؤم هما أمران نابعان من نفس الإنسان، فالإنسان صاحب النفس السليمة والصحيحة ينظر إلى الحياة نظرة جليَّة تجعله يرى كل جميل وما يبعث على الأمل والسعادة، في حين أن الإنسان صاحب النفس المريضة والكئيبة ينظر للحياة بنظرة سوداوية تجعله يرى كل ما يبعث على اليأس والقنوط، فالمتفائل سبب تفاؤله منه والمتشائم سبب تشاؤمه منه أيضاً، والتشاؤم علاجه في الإسلام الدعاء، فيدعو المؤمن الله عز وجل لتغيير حاله وهو موقن بوجود الله وبالاستجابة، أي يدعو مستبشراً بإجابة الله وملحاً عليه ليعطيه ما يريد، فعندما يدعو المرء الله في مسألة من مسائل الدنيا والآخرة فإنه يخرج من مزاج التشاؤم بشكل تلقائي، وكلما ألح في الدعاء تُبث في نفسه نسائم التفاؤل شيئاً فشيئاً، ويجدر الذكر أن اليأس هو أمر غير جائز في حياة المسلم، حيث إنه من صفات الكفار الذين يجهلون حقيقة الله ولا يوقنون بوجوده، كما أن التشاؤم سوء ظن بالله وشك به، أما التفاؤل فهو الثقة الكاملة بالله، وفيه إيمان بقضائه وقدره.

التفاؤل سنة نبوية

كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- من أكثر الناس تفاؤلاً، حيث كان يتفاءل في حله وترحاله، وكان يتفاءل في الحرب وفي السلم، إذ إنه كان في أشد الظروف والأحوال يُبشر أصحابه بالنصر على الأعداء ويرفع من همتهم، وكان يُعجبه أن يسمع الكلام المبشر والمفرح، والرسول -عليه الصلاة والسلام- هو قدوة للمسلمين في القول والفعل، والتفاؤل هو أحد جوانب هذه القدوة، فكان يربي أصحابه عليه حتى أصبحوا هم الدعاة إلى التفاؤل من بعده، وقد كان الرسول ينهى عن نشر التشاؤم بين الناس ومنها قوله: (إذا سمِعْتَ الرَّجُلَ يقولُ: هلَك النَّاسُ فهو أهلَكَهم)،[٢] وفي هذا الحديث يُبين الرسول أن من يُقنّط الناس وينشر اليأس بينهم بأنهم هالكين فهو الذي جعلهم هالكين ولكنهم ليسوا كذلك في الحقيقة، وفي رواية بضم الكاف أي أنه هو أكثرهم هلاكاً، وهي الرواية الأشهر، في هذا الحديث نهى الرسول عن القنوط من رحمة الله.


ومن المواقف الدالة على تفاؤل الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما حصل معه هو وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وهما في طريق الهجرة إلى المدينة، حينما لحق بهما سراقة يطاردهما، فتفاءل الرسول وحث صاحبه على ذلك وطمأنه بقوله: (لا تحزن إن الله معنا)،[٣]، ومن المواقف الأخرى التي تدل على تفاؤل الرسول عندما تفاءل بالنصر في غزوة بدر، وتفاؤله في غزوة الخندق عند حفر الخندق حول المدينة، وأنه سيكون سبب النصر بالرغمن من الظروف العصيبة وحصار العرب له والمؤمنون، وبالرغم من شدة الجوع والعطش، وأيضاً عندما ذكر مدائن كسرى وقيصر والحبشة وبشّر بفتحها وأن المسلمين سوف يتولو سيادتها، ونرى التفاؤل في وعد الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأصحابه وتبشيرهم بفتح بلاد الشام وبلاد فارس واليمن، وإن من يدرس سيرة الرسول يرى العديد من المواقف التي تدل على تفاؤله وتربيته لأصحابه على هذه الصفة الحميدة، وعلى من يتبعه أن يقتدي به في جميع صفاته ومنها صفة التفاؤل، تبعاً لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).[٤]

المراجع

  1. المعاني: تعريف و معنى التفاؤل في معجم المعاني الجامع
  2. صيد الفوائد: التفاؤل والتشاؤم في ميزان الإسلام
  3. الألوكة الشرعية: الأمل والتفاؤل
  4. موسوعة النابلسي: التفاؤل والتشاؤم
  5. الألوكة الشرعية: التفاؤل
  6. إسلام ويب: تفاؤل الرسول صلى الله عليه وسلم
  7. إسلام ويب: التفاؤل سنة نبوية

الهوامش

  1. الراوي: أبو هريرة، المحدث: ابن حبان، المصدر: صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 6124، خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه
  2. الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2623، خلاصة حكم المحدث: صحيح
  3. الراوي: أبو بكر الصديق، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3615، خلاصة حكم المحدث: صحيح
  4. سورة الأحزاب، آية: 21
التفاؤل في الاسلام
Facebook Twitter Google
155مرات القراءة