اذهب إلى: تصفح، ابحث

بحث عن الطلاق

Article Date 29 / 09 / 2018
محتويات المقال

بحث عن الطلاق

الزواج عقد بين الزوجين، وهما طرفا العقد، والقاعدة العامة في العقول أنها تلزم كل طرف من طرفيها بما التزم به من حقوق في العقد، وأنه لا يملك أحد منهما الإخلال بشيء من حقوق التعاقد، إلا بأن يرضى الطرف الآخر.

كما تم تشريع الطلاق، وهو حل لقعد النكاح، يقوم به أحد طرفي العقد، وحده، وكان القياس بحُكم طبيعة التعاقد يقضي بألا يملك أحد حل التعاقد إلا طرفاه معًا، واقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يشرّع لعباده الإذن للرجل بالانفراد بالطلاق دون المرأة، لما في ذلك من المصلحة الظاهرة، لو لم يأذن الله بذلك لكان الطلاق باطلاً كله، إلا أن يرضى الطرفان، كما هو في سائر العقود.

الطلاق في المسيحية

تتبنى المسيحية الأرثوذكسية موقفًا متشددًا من الطلاق إلا بعِلة الزنا، وتحرّم معظم حالاته إلا في نواحٍ محددة بدقة حتى إذا رغب به كلا الطرفين، مثل موت الطرف الآخر، ويجوز طلب التطليق من الكنيسة إذا ترك الآخر الدين المسيحي ولجأ إلى دين آخر أو مذهب لا تعترف به الكنيسة، علاوة على وقوع جريمة الزنا بشكل موثق بشكل قاطع لا يقبل الشك.

الطلاق في الجاهلية

وكان العرب في الجاهلية يتزوجون، كما كانوا يتعاقدون بأنواع أخرى من العقود في المعاملة، وكان العرب أيضًا يطلّقون الزوجات ما شاءوا من غير قيد ولا حصر. وجاء الإسلام فأقرَّ كثيرًا من عقودهم ومعاملاتهم مع تشريع جديد دقيق، هذّب به طرقًا جمعة من طرق التعاقد بينهم، وأقر فيما أقر عقود الزواج، وشرط فيها شروطًا لتهذيبيها، وجعلها مطابقة لعدالة ورحمة الإسلام.

وكان شأن الطلاق في الجاهلية ثم في أول الإسلام، قبل نزول آية البقرة في الطلاق، ما قالته عائشة: "كان الناس والرجل يطلق امرأته ماشاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإذا طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فبتيني منّي ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عِتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي فأخبرته فسكت حتى نزل القرآن "الطلاق مرتان فإمساك بمعروفٍ أو تسريح بإحسان".

الطلاق في الإسلام

والمعنى الظاهر من الآية المذكورة آنفًا أن يكون الحد الأقصى للطلاق مرتين، وفي كل مرة إما إمساك بمعروف، وإما تسريح بإحسان. الرجل مخير بعد إيقاع الطلقة الأولى بين أن يرجع لزوجته فيمسك عليها ويعاشرها بإحسان، وبين أن يعزم أمره ويدع زوجته في عدتها، فإذا راجعها إلى عصمته أو تزوجها ثانية بعد انقضاء عدتها، ثم شجر بينهما ما يحبب إليه الفراق مرة أخرى، وعزم الطلاق فطلق، كان شأنه في هذه المرة الثانية كمثل شأنه في المرة الأولى: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ثم إذا عاد لمعاشرتها بالرجعة أو بالزواج، بعد أن طلق مرتين فإنه لم يبق له عليها بعد ذلك إلا طلقة واحدة لا يملك بعدها أن يعود بها إلى عِدته، ولا يجوز له أن يتزوجها إلا بعد زواجها برجل آخر ثم يطلقها ذلك الرجل الآخر بعدها.

طلاق السُنة

وأطلق جماعة من الفقهاء مصطلحًا أسموه "طلاق السنة"، يشرحه القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "أحكام القرآن"، قائلاً: "قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع سبعة شروط، وهي: أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرًا، لم يمسّها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه الصورة صابتة في حديث ابن عمر الذي روى عنه أحمد ومسلم قوله لرجل: "مُرهُ فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً".

والحكمة في المنع من الطلاق في الحيض أو في طهر مسّها فيه: أن ذلك يطيل على المرأة العِدة، فإنها إذا كانت حائضًا لم تحتسب الحيضة من عِدتها، فستنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مُدة طهرها، ثم تبدأ العِدة من الحيضة التالية.

وإن الزواج والطلاق حقائق معنوية لا وجود لها إلا بإيجادها في سياق الألفاظ التي وضعها العرف الشرعي في الإسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقلت وطلقت، فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، وهي متوقفة على حصول المعنى لا مجرد التلفظ بالكلمات، فقول المرء "أنتِ طالق" يُعمل به للتعبير عن القول وهو يفيد إنهاء عقد الزواج بينهما بشكل خاص، ووصفه بعدها بالفعل "مرتين" أو "ثلاثة" باطل وغير صحيح، وهو مجرد لغو في القول لا يُعتد به.

ولقد جعل الله للزوجة المدخول بها كل الصداق المسمى بينها وبين بعلها، لأنها أعطته من نفسها ما تعاقدت معه عليه، فيجب أن يعطيها كل ما تعاقد معها عليه أيضًا، ثم جعل الله لها عليه إن طلّقها -بعد استحقاقها لكل صداقها- المتعة، تعويضًا لها عن انفراد الرجل بحل عقدة النكاح.

كما جعل الله على الرجل للمرأة أن ينفق عليها خلال فترة العِدة حتى تبلغ أجلها بانقضاء مسبباتها جزاءً لانقطاعها له بداعي الزواج، مقابل حقه في ردها إلى عصمته باختياره وحده، وليس لها في هذه الحالة أي خيار لرفض العودة إليه، ولا تملك معارضته إذا أراد، إلا أن كان يريد بإمساكها الإضرار بها، لها إذ ذاك أن ترفعه إلى الحاكم، وإن ثبت قصد الإضرار بها حكم لها القاضي عليها ببطلان الرجعة.

الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018