اذهب إلى: تصفح، ابحث
العناية بالجسم

تأثير البلاسيبو

محتويات المقال

تأثير البلاسيبو

ما هو تأثير البلاسيبو

تعتبر حاجة الإنسان إلى العلاج قديمة مثل قِدَم الإنسان، لذلك أولى البشر الطب والممارسات الشفائية أهمية منذ بداية عهد الإنسان مع الملاحظة. وبالرغم من أن الطب في العصور القديمة لم يكن متقدمًا ولا يتّبع نهجًا علميًّا منظّمًا، ألا أن عمليات المعالجة في هذه الأزمنة قد مكّنت المعالجين من علاج بعض الأمراض وإجراء عمليات جراحية مختلفة، بدون استخدام أيّة عقاقير مخدّرة أو أقراص علاجية تحتوي على مواد فعّالة مركّزة من شأنها أن تؤثّر على كيمياء الجسم بشكل مباشر. يرجع نجاح تلك العلاجات والعمليات الجراحية إلى التأثير الشفائي للعقل على الجسد، أي أن العقل يساهم بطريقةٍ ما في عملية المعالجة. تُعرف هذه الأساليب العلاجية باسم العلاج بالإيحاء أو العلاج الوهمي، أو باستخدام المصطلح الحديث "بلاسيبو"، وهي كلمة لاتينية الأصل تعني "سوف أتحسّن". ويمكن تعريف البلاسيبو بأنه علاج لا يحتوي على أي عناصر علاجية أو مواد كيميائية فعّالة من شأنها إحداث تغيير في كيمياء الجسم، ومع ذلك يؤدّي إلى تحسُّن صحّي ملحوظ. ويعتمد مستوى التحسّن بشكل أساسي على الخصائص الظاهرية للجرعة، مقدار الجرعة، الوسيلة الطبّية المستخدمة، بالإضافة إلى طريقة تقديم العلاج.

إثبات فاعلية البلاسيبو

مع التقدّم الطبّي السريري في أواخر القرن التاسع عشر، حاول العديد من الأطباء والباحثين إثبات عدم فاعلية البلاسيبو في تحسين صحّة المرضى. وذلك لأن العلاج الوهمي عادةً تُقارن آثاره الصحيّة باللاشيء، أي لا تتم مقارنة منافعه العلاجية مع الأدوية الطبيّة المعروفة، في حين أن الأطباء والباحثون يفاضلون بين الأدوية المختلفة عن طريق مقارنتها ببعضها بعضًا، بحيث يكون العلاج الأفضل هو الأكثر فاعلية والأقل خطورة مقارنة بأفضل علاج كان معروفًا من قبله. وبالرغم من صعوبة إعداد تجربة للمقارنة بين علاج معيّن وعلاج وهمي (بلاسيبو)، ألا أنه أمكن إعداد تجارب مختلفة لاختبار تأثير البلاسيبو، وكانت نتائج هذه التجارب تُؤكّد باطّراد على فاعلية البلاسيبو؛ أو على الأقل لا تُثبت عدم جدواه. من بين التجارب التي تؤكّد على فاعلية البلاسيبو، تجربة عالم الأنثروبولوجيا المختص بدراسة تأثير العلاج الوهمي؛ دانيال مورمان. قام مورمان بتقسيم مجموعة من المرضى المصابين بقرحة المعدة إلى مجموعتين لمقارنة تأثير الزيادة في الجرعة على تحسّن الحالة الصحيّة. أعطى مورمان المجموعة الأولى قرصين سكّريين فقط، يوميًّا حتّى فترة زمنيّة معيّنة. وأعطى المجموعة الثانية أربعة أقراص سكريّة، يوميًّا إلى نفس فترة المجموعة الأولى. وكانت النتيجة هي تحسّن مستوى المصابين من المجموعة الثانية (الذين تناولوا أربعة أقراص) بشكل أفضل من المصابين الذين تناولوا قرصين فقط. وذلك بالرّغم من عدم وجود أيّة مواد أو عناصر فعّالة في الأقراص السكّرية من شأنها أن تُساعد في التخفيف من حدّة قرحة المعدة أو علاجها، أو حتّى زيادتها. علاوة على ذلك، لم يتم رصد التحسّن من خلال استجواب المصابين أو بناءً على شعورهم، إنما بالاعتماد على الفحص المباشر بواسطة منظار يُدخَل في جوف المصاب لمراقبة مستوى التحسّن من خلاله، وهو ما يزيد من دقّة وموثوقيّة التجربة. بالتالي، يمكن القول أن زيادة جرعة العلاج الوهمي قد تزيد مستوى التحسّن.

عوامل مؤثّرة على فاعلية البلاسيبو

من المعلوم أن تأثير البلاسيبو لا يحدث بسبب وجود مواد فعّالة في المادة العلاجية، إنما يمكن إرجاعه إلى العملية الطبّية برمَّتها، بدءًا بذهاب المريض إلى الطبيب، ثم قيام الطبيب بعملية التشخيص وتهيئة المريض نفسيًّا لتلقّي العلاج، مروراً بوصف العلاج مع وضع طبيعته بعين الاعتبار، من حيث كونه على شكل أقراص، كبسولات، أو حقن. كما أن للون المادة العلاجية وعلامتها التجارية أو محل الصنع، والاعتقاد المُسبق لدى المريض بجدوى العلاج، تأثيرًا حقيقيًا في تحسّن الحالة الصحيّة للمرضى واستجابتهم للعلاج بنسبة لا تقل عن 30%.

لون المادة العلاجية

في تجربة تهدف لقياس تأثير عامل اللون على فاعلية الأقراص العلاجية الوهمية، قام باحثون بتوزيع أقراص سكريّة ورديّة اللون وأقراص أخرى مشابهة لها تمامًا لكن زرقاء اللون بشكل عشوائي على مجموعة من الطّلاب الجامعيين، وأخبروا الطّلاب أن بعض الأقراص منشّطة، والبعض الآخر أقراص مهدّئة. بعد تناول الطّلاب الأقراص، قام الباحثون بقياس درجات التنبّه واليقظة لدى الطلّاب، ولاحظوا أن الطلاب الذين تلقّوا أقراص ورديّة اللون حققوا درجة تنبّه أعلى من درجة الطلاب الذين تلقّوا الأقراص الزرقاء. أي أن الطلاب قد توقعوا أن الأقراص الوردية هي الأقراص المنشّطة وأن الأقراص الزرقاء هي الأقراص المهدّئة، وعلى هذا الأساس تأثّرت درجات تنبّههم.

من جهة أخرى، يمكن ملاحظة أن اختيارات شركات الأدوية لألوان العقاقير تعكس درايتها بتأثير اللون على فاعلية العلاج. مثلًا، تميل شركات الأدوية عادةً لإصدار عقاقير التنشيط بألوانٍ زاهية (كالبرتقالي والأصفر)، في حين تميل لإصدار مضادات الاكتئاب بألوانٍ غامقة (كالأزرق والأخضر). كما أشارت دراسة إلى أن عقار الأوكسازبام يكون أكثر فاعلية في تخفيف أعراض الاكتئاب عندما يكون باللون الأصفر، وأكثر فاعلية في علاج التوتر عندما يكون باللون الأخضر.

شكل المادة العلاجية

يُعتَبَر شكل المادة العلاجية من العوامل المؤثّرة نفسيًّا على فاعلية العلاج. مثلًا، حقق عقار كلورديازيبوكسيد (عقار مهدّئ) نتائج أكثر فاعلية عندما تم تناوله على شكل كبسولات بدلاً من الأقراص، وذلك بالرغم من تناول المرضى نفس الجرعات واحتواء الكبسولات والأقراص على المادة الفعّالة نفسها. يرجع ذلك إلى أن الكبسولات تبدو أكثر جِدّة وحداثة من الأقراص. في دراسة أُخرى تقارن بين فاعلية الأقراص السكّرية وحُقَن المحلول الملحي في علاج الصداع، لاحظ القائمون على الدراسة أن الحُقن كانت أكثر فاعلية من الأقراص، بالرغم من عدم وجود أي مواد فعّالة في الحقن أو الأقراص من شأنها علاج الصداع. لكن لأن المعروف عمومًا عن الحقن هو أنها تدخلًا علاجيًا ذو سرعة أعلى وقوة تأثير أكبر من الأقراص، ظهَر ذلك الفرق في الفاعلية بينهما، رغم خلوّهما من المواد الفعّالة.

الإجراءات الطبية

لا يقتصر تأثير البلاسيبو على عمليات المعالجة المباشرة باستخدام العقاقير، إنما يحدث أيضًا على المستوى الجراحي. في إحدى التجارب الشهيرة بهذا الشأن، قام جراحون في فنلندا بتقسيم مجموعة مرضى مصابين بالتمزّق الغضروفي إلى مجموعتين، ثم قاموا بإجراء العمليات الجراحية اللازمة للمصابين في المجموعة الأولى، أما المجموعة الثانية، قاموا بتخديرهم وتظاهروا بقيامهم بإجراءات الجراحة لهم. وكانت النتيجة هي تحسّن كلتا المجموعتين، ليس بنفس الدرجة، لكن تحسّن مجموعة الجراحة الوهمية كان واضحًا.

في تجربة أخرى، قام باحثون من مركز الدراسات الصحية في الولايات المتحدة بمقارنة فاعلية تأثير البلاسيبو في تخفيف آلام أسفل الظهر المزمنة بطريقة الوخز بالإبر؛ وهي طريقة شائعة نوعًا ما بين المصابين بآلام أسفل الظَّهر المزمنة. في التجربة، قام الباحثون باستبدال الإبر العلاجية المعدنية التي تخترق الجلد والتي يدّعي مصنّعوها أنها مصنوعة من معادن ومواد مخصصة لتخفيف شدة آلام أسفل الظهر، بإبر أخرى مصنوعة من الخشب، بحيث يتم وخز المصاب دون اختراق جلده أو إحداث أي تأثير داخلي. وبقياس مستوى تحسّن المصابين بعد العلاج بالإبر المعدنية تارة والعلاج بالإبر الخشبية تارةً أُخرى، لم يظهر أي فرق يُذكَر، أي أن التحسّن بعد العلاج بالإبر الخشبية كان مماثلًا تقريبًا للتحسّن بعد العلاج بالإبر المعدنية. وهو ما قد يعني أن العلاج بالإبر المعدنية يعتمد أيضًا على البلاسيبو.

كيف يؤثّر البلاسيبو على الجسم

حتّى الآن، لا يعلم الباحثون والأطباء كيفية عمل البلاسيبو بدقّة. لكن مع ذلك، يعتقد بعض الباحثين أن السبب يرجع إلى زيادة إفراز الجسم للهرمونات والمواد الكيميائية اللازمة لترك الأثر العلاجي عندما يتم تحفيز العقل عن طريق البلاسيبو. على غرار ذلك، بيّنت دراسة أن المرضى الذين يتعرضون للألم ثم يتم إعطائهم علاجًا وهميًا، يُفرَز هرمون الإندروفين المسكّن للألم في أجسامهم بكميّة أكبر من الذين لم يتلقّوا أي علاج وهمي. كما يؤكّد بعض علماء وظائف الأعضاء أن البلاسيبو عبارة عن ظاهرة نفسية عصبية يمكنها ترك أثر حقيقي قابل للقياس في دماغ المريض، وهو ما يعني أن توقّعات المريض يمكن أن تؤثّر سلبًا أو إيجابًا على سير عملية المعالجة، جنب إلى جنب مع العقاقير التي تحتوي على مواد فعّالة.

تأثير البلاسيبو
Facebook Twitter Google
68مرات القراءة