اذهب إلى: تصفح، ابحث
حول العالم

تعريف الرياضيات

تعريف الرياضيات

ما هي الرياضيات؟

الرياضيات في اسمها الإنجيليزي mathematics مشتقة من الكلمة الإغريقية máthēma والتي تعني حرفيا "المعرفة"، "الدراسة" و"التعلّم"، وتعرف على أنّها الدراسة التجريدية للكم، البنية، الفضاء والتغيّر، مع ذلك يبقى من الصعب جدا إيجاد تعريف دقيق يتفق عليه الجميع لماهيتها.
تعنى الرياضيات اليوم بملاحظة الأنماط بهدف بناء "حدسيات" (conjectures) وهي كما يوضح اسمها بيان قائم على الحدس انطلاقا من الملاحظات، يتطلب إثبات صحته من عدمها عن طريق برهان رياضي. كمثال بعيد عن الرياضيات قليلا، فلنقل أنّك وجدت صديقين يتشابهان في الشكل كثيرا، سيكون حدسك بناء على هذه الملاحظة أنّهما شقيقان، وللبرهنة على صحة أو خطأ حدسيتك، سيكون عليك القيام ببرهان بسيط هو سؤالهما (على فرض أنّهما سيقولان الحقيقة).
يمكن لحدسية ما، أن تبقى لسنين طويلة جدا دون القدرة على إثبات صحتها أو خطئها، ومن أشهر الحدسيات الغير محلولة إلى اليوم وأكثرها إثارة للجدل حدسية ريمان، التي وضعها صاحبها سنة 1859، حول توزع الأرقام الأولية، ولا تزال صامدة إلى اليوم أمام أي برهان.

عندما يتم إثبات حدسية ما فإنها تتحول إلى نظرية (theorem)، وانطلاقا من هذه النظريات، يمكن بناء ما يعرف بالبنية الرياضية. عندما تشكل بينة رياضية ما نموذجا جيّدا لظاهرة طبيعية، فإنّها تمكننا من التنبؤ بأحداث مستقبلية فيما يخص تلك الظاهرة. كمثال، حدّد نيوتن قانونه للجاذبية، واصفا إياه بمعادلات رياضية، وبناء على ذلك لا يمكننا فقط التنبؤ بسقوط الأجسام من ارتفاع معين بل حتى بسرعة سقوطها واللحظة التي ستلمس الأرض فيها إن فعلت عن طريق حساب رياضي.

هذا ما دفع كثيرين لاعتبارها لغة الطبيعة، إذ يقول غاليلو غاليلي: الكون لا يمكن قراءته دون تعلم لغته وإتقان الحروف التي كُتبت بها، إنّه مكتوب بلغة الرياضيات، والحروف هي المثلثات، الدوائر، والأشكال الهندسية الأخرى التي بدونها يستحيل على البشر فهم كلمة واحدة، بدونها، نحن نتجول في متاهة مظلمة [١]

لمحة تاريخية

تطور تاريخ الرياضيات لعدة مفاهيم تجريدية، أولها هو تجريد نتشارك فيه كبشر مع عدة حيوانات أخرى (مفهوم العدد). إدراك أن حبتي تفاح وشخصين اثنين بينهما خاصية مشتركة، العدد، وبهذا يمكن تقسيم حبتي التفاح بالتساوي على الشخصين فيأخذ كل شخص حبة واحدة، وبهذا يظهر مفهوم الكم.
الأدلة التاريخية تدل على أن إنسان ما قبل التاريخ، وبالإضافة لقدرته على فهم المفاهيم الكمية الفيزيائية (كعدد التفاح وأفراد القطيع)، كان قادرا أيضا على إدراك المفاهيم الكمية التجريدية كالأيام والأشهر والسنوات [٢] مع ذلك، لا يوجد أي دليل تاريخي على رياضيات أكثر تعقيدا حتى ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد، عندما بدأ البابليون والمصريون القدماء ما ما نعرفه اليوم كعلمي الحساب والهندسة.

الرياضيات القديمة

الرياضيات، أو الحسابات لوصف أدق، كانت وقتها ذات أهداف تطبيقية بحتة، فمثلا، كان حساب المساحات عند المصريين مهما جدا لإعادة توزيع الاراضي بعد فيضان النيل، فصاحب أرض مثلثة يمكن أن يحصل على أرض مستطيلة بعدها شرط أن يحافظ على مساحة أرضه، وهكذا استخدمت الرياضيات لتقسيم الاراضي والرسم والبناء وحساب الأشهر والسنوات.

نشأة الرياضيات الحديثة

ما بين 600 و300 سنة قبل الميلاد، بدأ الإغريق أكبر ثورة في تاريخ الرياضيات[٣]، فأسسوا أول رياضيات لذاتها، بمعنى رياضيات صرفة لا تخضع لتطبيقات الواقع، لا نحسب مساحات الأشكال مثلا بهدف تقسيم الأراضي بل بهدف المعرفة وحسب.
ظهرت العديد من المدارس الرياضية وتم تأسيس العديد من القواعد التي بنيت عليها رياضيات اليوم، أهمها تأسيس الهندسة الإقليدية بواسطة إقليدس التي بنيت على خمس مسلمات رئيسية:

  1. من نقطتين يمر مستقيم وحيد.
  2. يمكن انشاء خط مستقيم من خلال تمديد نهايتي قطعة مستقيمة من الجهتين إلى ما لانهاية.
  3. يمكن رسم دائرة من خلال نقطة مركز ونصف قطر.
  4. كل الزوايا القائمة متساوية فيما بينها.
  5. إذا قطع مستقيم مستقيمين وكان مجموع الزاويتين المتقابلتين عند جهة القاطع أقل من مجموع زاويتين قائمتين (أقل من 180°)؛ فعند مد هذين المستقيمين من جهة الزاويتين فسوف يتقاطعان.

المسلمات السابقة هي قواعد تبدو بديهية، وقد تم وضعها كحجر أساس للهندسة الإقليدية مما يعني أنّها أمور تُبنى عليها البراهين في حين أنّها غير قابلة للبرهنة، كل شيء في الرياضيات الكلاسيكية مبني انطلاقا من الخمس مسلمات السابقة.
جمع إقليدس كل أعماله في كتاب ضخم من 13 جزء أسماه "العناصر".
في العصر الذهبي للجضارة الإسلامية، ساهم مجموعة رياضيين عرب في ثورة جديدة في الرياضيات، خصوصا بين القرن التاسع والعاشر ميلادي. كان أهمها وضع أساسيات علم الجبر من طرف محمد ابن أبي موسى الخوارزمي في كتابه "الجبر والمقابلة"، وضع فيه أول مفهوم لمعادلة رياضية، وعرض كيفية حل المعادلات وصولا للدرجة الثانية. وناقش فيه أسس الموازنة والمقابلة كما أسماها، وهو نقل العناصر من أحد طرفي المعادلة إلى آخر.
قام شرف الدين الطوسي أيضا بالعمل لإيجاد حلول تقريبية للمعادلات ذات الدرجة الثالثة. كما عرف العصر أسماء بارزة لعدة رياضيين آخرين: عمر الخيام، ثابت ابن قرة..
تطورت الرياضيات بعد ذلك كثيرا وتم ربطها بالعلوم الاخرى، مما ساهم في نمو الطرفين بشكل كبير وصولا للرياضيات التي نعرفها اليوم.

تعريفات مختلفة للرياضيات

في ما سبق، استعرضنا التطور التاريخي للرياضيات، وطبيعي سيتطور تعريفها معه أيضا.
أول تعريف للرياضيات بواسطة أرسطو كان "علم الكموم"، أو "العلم الذي يدرس الكميات"، وبقي تعريفه هذا صامدا حتى نهاية القرن الثامن عشر.
مع بداية القرن التاسع عشر، تطورت الدراسة كثيرا في ما يعرف بنظرية المجموعات (وهي فرع من الرياضيات يدرس خصائص مفهوم تجريدي يسمى المجموعات في علم الجبر)، والهندسة الإسقاطية(والتي تدرس الخواص الهندسية بتغيير المنظور)، وكلا المجالين لا يحملان أية علاقة واضحة مع الكم والأعداد والقياس، مما أوجب استحداث تعريف جديد، وكعادة الفلسفة، تدخلت في محاولة لإيجاد شيء يمكن حصر معنى الرياضيات فيه واقتراح العديد من التعريفات الممكنة.
بعض التعريفات مبنية على الطابع الاستنتاجي للرياضيات، بعضها عن طابعها التجريدي، أخرى اعتمدت على الطابع المنطقي، بينما حاولت تعريفات أخرى التركيز على مجالات في الرياضيات دون غيرها، ما هو مؤكد أنّه إلى اليوم، لا يوجد تعريف حول ماهية الرياضيات حتى بين المتخصصين أنفسهم.
في الحقيقة، لا يوجد لليوم اتفاق واضح هل الرياضيات تعتبر علما أم فنّا، لكن يمكن القول أن أغلبية الرياضيين لا يهتمون بإيجاد تعريف للرياضيات أو مقتنعون أنها بلا تعريف، أو كما يقول البعض: "الرياضيات هي ما يقوم به الرياضيون"[٤]
مع ذلك ولتعريف الرياضيات، توجد ثلاث مدارس كبرى ولكل مدرسة تعريفها الخاص بها: المنطقيون (logicist)، الحدسيون (intuitionist)، والشكليون ( formalist).
كل واحدة من المدارس الثلاث تعكس فلسفة تفكير مختلفة، وجميعها تعاني نقصا حادا ومشاكل كثيرة لتعريف الرياضيات ككل.
من أوائل التعريفات في مدرسة المنطقيين، كان تعريف بنيامين بيرس حين عرف الرياضيات على أنها "العلم الذي يستنتج الخلاصات الضرورية"[٥]
من أهم رواد هذه المدرسة عالم الرياضيات والمنطقي برتنراد راسل، إذ حسبه فالرياضيات كلها ليست إلّا وليدة المنطق الرياضي (Symbolic Logic)"[٦]
مع ذلك، سنة 1930، أثبت الرياضي غيدل ما يسمى بمبرهنات عدم الاكتمال، وأحد أهم ما فيها أن أي نظام متسق (أي لا يقبل التناقض، تكون فيه العبارات إما صحيحة أو خاطئة ولا يمكن أن تكون الاثنين معا في ذات الوقت) يمكن إثبات كل حقائقه فيه، مهما كانت المسلمة التي ستنطلق منها ستصل في النهاية لعبارة لا يمكن الحكم بصحتهاأو خطئها ويستحيل إثبات أي من ذلك، هي ما يعرف في الرياضيات بالعبارات الغير قابلة للتحديد، وبهذا، فالتظام المنطقي القائم على فكرة الصواب أو الخطأ ومكانية إثبات كل شيء انطلاقا من المنطق الرياضي سقط أمام هذه المبرهنة.
الحدسيون يعرفون الرياضيات كشيء نابع من العقل، مجموعة الأفكار التي تلي واحدة بعد الأخرى للوصول لاستنتاج معين[٧] ، ما يميز التوجه أنه يرفض بعض المفاهيم الرياضية التي تعتبر صحيحة حسب تعريفات أخرى، ففي حين تعتبر فلسفة الرياضيات أي شيء يمكن إثبات وجوده حتى وإن لم نتمكن من صناعته موجودا، يرفض الحدسيون الإقرار بوجود الشيء إلا إذا كانت صناعته ممكنة.
الشكليون يعرفون الرياضيات كمجموعة رموز ودلالات تحملها، أو بعبارة أبسط "علم الأنظمة الشكلية"، والنظام الشكلي هو مجموعة رموز مع قواعد توضح كيف تعمل وتدمج تلك الرموز بينها. المسلمات في هذا النظام تختلف في تعريفها عن المسلمات في الأنظمة الأخرى، فبينما تعتبر في كل الأنظمة "عبارة بديهية لا تحتاج برهانا يتم الإنطلاق منها"، تعتبر في هذا النظام "مجموعة من الرموز المعرفة في نظاام ما دون الحاجة لأن تشتق من أحد قواعده"

كما سبق الذكر فللأنظمة الثلاث عيوبها كلها، ولا يمكن حصر الرياضيات في أي منها، لكن هناك توجها آخر يصنف الرياضيات كمجال علمي، إذ دعاها الرياضي الألماني غاوس بملكة العلوم.
المشكل مع هذا التعريف أن الرياضيات على عكس العلوم لا يمكن إثبات صحة فرض فيها من خطئه بملاحظة ظاهرة معينة، مما يجعل عديدين في فلسفة العلوم يترددون في قبول الرياضيات كعلم.
وتبقى الآراء هنا متضاربة بين الرياضيين، إذ يرى كثيرون أن ما يقومون به لا يمكن حصره في العلم وحده، وتبقى الرياضيات بلا تعريف ثابت متفق عليه بين الجميع لليوم.

بين الرياضيات الصرفة والتطبيقية

كما ذكرنا في اللمحة التاريخية، هدف الرياضيات الأول كان قياس مساحات الاراضي وحساب الأيام.. مما يعني أنّها وجدت لحل مشاكل على أرض الواقع، تلك هي بداية ما يعرف بالرياضيات التطبيقية.
بينما تحدثنا عن كيف أن الإغريق كانوا أول من أسس رياضيات لذاتها، بلا أي هدف تطبيقي واضح، وهذه بداية الرياضية الصرفة.
الرياضيات التطبيقية كما يدل اسمها هي رياضيات موجودة لحل مشاكل على أرض الواقع، ومستوحاة منها.
اليوم مثلا، مشكلة توحيد نظرية النسبية مع ميكانيكا الكم تستمر بدفع الرياضيين للأمام وخلق رياضيات جديدة من شأنها تطوير المجال وتقريب الفيزيائيين من النظرية المطلوبة أكثر.

في حين أن الرياضيات الصرفة، مستنبطة من مشاكل رياضية لا علاقة لها بالواقع إطلاقا بل نابعة من المجال الرياضي نفسه، مع ذلك الأمر لا يمنع من أن يكون لها تطبيقات على أرض الواقع لاحقا لتوضيح الأمر، فلنعد لحدسية ريمان التي سبق الحديث عنها، ريمان وضع حدسيته سنة 1859، وتوفي قبل أن تكون له فرصة لإثباتها، ومن وقتها وإلى اليوم، الرياضيون في صراع معها. هي مشكل رياضيات صرفة في نظرية الأعداد يتعلق بتوزع الأعداد الأولية، وحين وضعها ريمان كان بعيدا، لم يفكر قط في أي تطبيق عملي لها، مع ذلك واليوم وفي زمن الكومبيوترات، إثبات حدسية مماثلة سيغير علم التشفير للأبد، أغلب أنظمة التشفير اليوم تعتمد على الأعداد الأولية وفكرة أنّه إن كان عدد ما كبيرا جدا فيصعب جدا تحليله لأعداد أولية تكون بدورها كبيرة جدا، ببساطة لأننا لا نملك أي وسيلة تخبرنا كيف يمكن أن نجد عددا أوليا.
بعض الأعداد الأولية الضخمة التي يتم إيجادها تباع بعشرات آلاف الدولارات لشركات التشفير وتبقى سرية، لكن ماذا لو وجدت طريقة يمكن أن نعرف بها تلك الأعداد الأولية الضخمة بل ونستنتج غيرها؟ ماذا سيحدث لأنظمة التشفير في العالم؟
ريمان وضع حدسيته قبل عصر الكومبيوترات بكثير، وهي مشكل رياضيات صرفة، لكن ها قد ظهر لها تطبيق غير متوقع في علم التشفير.
في النهاية، من الصعب الفصل بين مجالات الرياضيات أو حصرها في تعريف واحد، ولا توجد عبارة واحدة يمكن أن تجيب عن السؤال أفضل من العبارة السابق ذكرها: "الرياضيات هي ما يقوم به الرياضيون" ببساطة.

المراجع

  1. a brief history of mathermatics
  2. evolution of mathematical concepts an elementary study
  3. A History of Greek Mathematics
  4. Mura, Roberta (Dec 1993). "Images of Mathematics Held by University Teachers of Mathematical Sciences". Educational Studies in Mathematics.
  5. Linear Associative Algebra
  6. The Principles of Mathematics
  7. The Three Crises in Mathematics: Logicism, Intuitionism, and Formalism
تعريف الرياضيات
Facebook Twitter Google
28مرات القراءة