اذهب إلى: تصفح، ابحث

حسن الظن بالله

التاريخ آخر تحديث  
الكاتب

حسن الظن بالله

المقصود بإحسان الظن بالله تعالى

هو جُلُّ الاعتقاد بالله تعالى من حيث الذات والأسماء والصفات والأفعال والتدبير والقضاء والقدر على ما ورد في الشرع الإسلامي الحنيف، وأنّ الله سبحانه تعالى هو وحده الذي بيده الشفاء والابتلاء والنفع والضُّر لجميع خلقه وعباده، وهو المسؤول عن هدايتهم، وهو الذي بيده قبول توبة التائبين من خلقه العائدين إليه اللائذين بجنابه، وهو الذي ينصر المجاهدين في سبيله الذين يذودون عن حمى الدين والعرض امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى. ولهذا فحُسن الظنِّ بالله تعالى من العبادات القلبية، التي تدل أوضح دلالة على حب العبد لمن بيده ملكوت كل شيءٍ -جلا وعلا- وتصديقه بوعده، فلا يكتمل إيمان المسلم إلا به؛ لأنه أساس من أساسات التوحيد بل ومن واجباته، فيظن المسلم يقيناً أن الله تعالى راحمٌ ورحيمٌ به وفارجٌ لهمِه وكاشف لكربه، وذلك بتدبّر آيات الذكر الحكيم والأحاديث الطاهرة الشريفة الواردة في كرم الله تعالى وعفوه وما وعد به الموحدون المحسنون الظن به، فحُسن الظن بالله -عَزَّ وجَلَّ- هو الاعتماد الراسخ كالجبال من المؤمن على ربِّه في كل شؤونه وأموره، واليقين الكامل والثقة التامة بوعد الله سبحانه وتعالى ووعيده، واطمئنانه وراحته التامة بما أُعدّ له عند الله تعالى، وعدم الاتكال مُطلقاً على التدبير الذاتي وما يقوم به من أعمال.[١]

حكم إحسان الظن بالله تعالى

إنّ إحسان الظن بالله جل وعلا واجبٌ على الإنسان المسلم، ولا يصح أن يسقط ذلك عنه بحال، و ينبغي ولا يجوز له إساءة الظن بخالقه بأي طريقة أو على أي وجهٍ من الوجوه كان،[٢] ويُستدل على ذلك بعدّة أدلة من الكتاب العزيز والسنّة النبوية، وقد تعددت الدلالات من النصوص على ذلك، وفيما يأتي إيراد بعضٍ من هذه الأدلة:

  • قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[٣].
  • عن جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته بثلاثة أيام، يقول: (لا يموتن أحدكم، إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل)[٤]

مواطن حسن الظن بالله

  • إحسان العمل: إنما يحمل الإنسان المسلم على إحسان العمل حسن ظنِّه بالباري أنه هو من سيُجازيه على جميع أعماله ويُثيبه عليها وبيده وحده أن يتقبلها منه، فإذا عمل عملاً صالحاً ظنّ أن الله تعالى سيقبل العمل ويجازيه عليه أجمل الجزاء، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)[٥]. فيجب أن يجتهد الناس جميعاً في القيام بما يجب عليهم من الأوامر والنواهي جميعها مع اليقين التام الكامل بأن الله هو من يقبلها ويغفر له كلّ ما كان منه; لأنه وعد بذلك سابقاً وهو لا يخلف الميعاد، فإن ظنّ أحدٌ أن الله لا يقبل عمله، فقد وقع باليأس والقنوط من رحمة الله تعالى.
  • إجابة الدعاء: فقد أمر الله تعالى العباد بالتوجه له بالدعاء وتكفّل بالإجابة والقبول، وفى هذا قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[٦]. فإذا دعا المُسلم الله عزّ وجلّ ظنّ يقيناً أن الله سيستجيب الدعاء، ثم وضّح المولى تبارك وتعالى سَعة فضله وعظيم قربه من عبده، وأنّ الإنسان المسلم كلّما اقترب من خالقه -جل وعلا- ازداد الله منه تقرباً وقرباً، وقد أخبر سبحانه بذلك في كتابه العزيز فقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[٧]
  • قبول التوبة: فالتوبة من العبادات التي أوجبها الله على المؤمنين جميعا قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٨]، ولا يمكن قبول التوبة من العبد المذنب، ولا يوجد لديه حسن للظن بالخالق سبحانه وتعالى، فإذا أذنب وتاب واستغفر ظنّ أن الله سيقبل توبته ويغفر ذنبه وحوبته.
  • حال الاحتضار: كما يتأكد حسن الظن بالله في حالة الضّعف، كحال المحتضر المريض مرض الموت فإنه أولى من غيره بأن يحسن الظنّ بالله -جل وعلا-، ولا شك بأن الرسول قد أرشد إلى خير ما يعلمه للأمة جميعها، وحذّر وشدّد وأنذر من شر ما يعلمه للأمة.[٩]

آثار حسن الظن بالله تعالى

على كل مسلم إحسان الظنَّ بالله في جميع الأحوال، فكلما أحسن ظنه بربه سبحانه و تعالى، حسن رجائه فيما عنده، فالله سبحانه لا يخيب آمال العباد ولا يضيع أعمالهم، فحسن ظن العبد بالله سبحانه وتعالى له عظيمٌ من الآثارٌ على المؤمن في الحياة وبعد الممات، ومن أهم آثاره:[١٠]

  • استشعاره للأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى، كقدرته سبحانه على كل شيء، والإرادة المُطلقة لله وحده، فهو غنِي لا يحتاج إلى غيره، والغفور العفو إلى غير ذلك من صفات كمال الله تعالى، وقال الله تعالى في حق الذي يظن بالله مالا يليق بجلالته وعظمته: (وَذَلِكُمُ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ)[١١].
  • حسن الظن بالله له علاقة وثيقة بالنواحي العقدية المتعددة فمثلا: الثقة بالله والتوكل عليه، حيث إنه لا يثق به ولا يتوكل إلا على من حسن الظن به، فالاستعانة بالله والاعتصام به سبحانه واللجوء إليه، فكل هذه الأمور تستلزم إحسان العبدُ لظنّه بربه عز وجل.
  • الاستسلام للفرائض والشرائع الدينية جملةً وتفصيلاً، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[١٢]، فهذا أمر الله لعباده المؤمنين بالاستجابة لله ولرسوله، وعدم الاعتراض على أوامر الله ونواهيه في القلب قبل أن يظهر ذلك على باقي الجوارح، فالمسلم يظن بأن الله تعالى قد أحلّ لعباده من الطيبات التي تفيدهم وتنفعهم، وحرّم عليهم تلك الخبائث لأنها تضر بهم، كما لم يأمرهم بشيء إلا ويكون فيه تحقيق مصلحةٍ لهم في الدنيا أو الآخرة.
  • إن مَنْ يحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى وييقن صدق وعده له، وتمام أمره، وما كان يخبر به من نصر للدين والتمكين للمؤمنين في الأرض، يخلص في العمل للدين العظيم والدعوة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى، حتى أنه يقدم على العمل بثقة بوعد الله سبحانه تعالى، فالآمال لا تُعلق إلا به سبحانه وتعالى، ولا يُتوكل على أحد سواه تبارك وتعالى.

حسن الظن بالله والغرور

بين إحسان الظن بالله والغرور فرقٌ شاسعٌ فالإنسان المسلم الذي يكون مُحسنا ظنّه بالله تعالى يعمل بالذي يقتضي حسن ظنِّه بالله، فيتّقرب لله تعالى ويرجع له ويصيبه الحزن إذا ما وقع في معصيةٍ أو ذنب، فيعترف بذنوبه ويندم على ارتكابه لها، ويعزم على عدم العودة لها، فيقف بين يديه سبحانه وتعالى مُنكسراً ذليلاً طالباً منه الرحمة والمغفرة، فهذا هو حال من أحسن الظن بالله تعالى، ليس كمن يتعامل مع الأمور في ظلامٍ شديدٍ وتوهان في حزن العصيان ويدّعي إحسانه الظن بالله وهو مغرورٌ أثيم، فيستمر في المعصية مُنكبّاً على وجهه لا يعي ما هو جاثمٌ فوقه، دون تمييز بين حسن الظن بالله، وبين الغرور الذي يُغرقه في دياجيره.[١٣]

المراجع

  1. أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)، المجموع شرح المهذب، دار الفكر العربى، بيروت، 5/ 108.
  2. إسلام ويب: حكم حسن الظن بالله مع الشعور بالتقصير في حقوقه
  3. سورة الفتح: الآية 6
  4. مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان / 2877.
  5. سورة الكهف: الآية 30
  6. سورة غافر: الآية 60
  7. سورة البقرة: الآية 186
  8. سورة النور: الآية 31
  9. صيد الفوائد: حسن الظن بالله تعالى
  10. صيد الفوائد: حسن الظن بالله تعالى
  11. سورة فصلت: الآية 23
  12. سورة الأنفال: الآية 24
  13. صيد الفوائد: حسن الظن بالله تعالى
مرات القراءة 629 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018