اذهب إلى: تصفح، ابحث

زرقاء اليمامة

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 10 / 02 / 2019
الكاتب محمد قيس

زرقاء اليمامة

زرقاء اليمامة

زرقاء اليمامة شخصيّة عربية تراثية ورد اسمها في أمّهات الكتب العربية قديمًا وحديثًا، ورُوِيت عنها قصص خالدة تتغنّى بعينيها الزرقاوين الثاقبتين وبصرها الحادّ و بصيرتها الفذّة.
رغم شهرتها التي تجاوزت الزمان والمكان، تبقى هذه المرأة محلّ جدل واسع بين المؤرّخين إذ أنّ هناك خلافا كبيرًا حول نسبها واسمها وصحّة قصّتها، ويرجع سبب الاختلاف إلى أنّ زرقاء اليمامة من العرب البائدة التي اندثرت قبل الجاهلية الأولى، وأنّ هذه المرأة عاشت في عصر قلّ فيه الاهتمام بتدوين الأحداث بدقّة وتأريخها إلاّ ما كان يُنقل شفاهة بين الناس أو عبر أبيات الشعر.
ومن أشهر ما بلغنا من أحاديثَ عن زرقاء اليمامة أنّها: زرقاء بنت نُمَير، نجدية من جديس من أهل اليمامة، يقال أنّها كانت تبصر الشعرة البيضاء في اللبن، وتنظر الراكب على مسيرة ثلاثة أيّام.

قصص تصف دقّة بصر زرقاء اليمامة

قصّة سرب الطيور

من أشهر القصص التي يتواتر ذكرها عن زرقاء اليمامة هي أنّه مرّ يومًا بها سربٌ من القطا أو الحمام فنظرت إليه وعدّته في لحظات قصيرة، وقالت:
يا ليت ذا القطا معنا ومِثلُ نصفِه معهُ
إلى قطاةِ أهلِنا إذًا لنا قطاةٌ مائة
فنظر النّاس إلى القطا حين استقرّت على الماء فإذا هي ستٌ وستّون قطاةً، ونصف عددها ثلاث وثلاثون فإذا جمعنا العددين وأضفنا للمجموع قطاة أهل زرقاء اليمامة كان المجموع: مئة، وهو الذي ذكرته في شِعرها.
وقد وردت هذه القصّة في شِعر النّابغة الذبياني صاحب إحدى المعلّقات العشر المشهورة، إذ قال:
احكم كحكم فتاة الحيّ إذ نَظَرَت إلـى حَـمَامٍ شـراعٍ وارِد الثمدِ
يَحفّـه جـانبـا نيقٍ ، و تتبعـهُ مثل الزجاجـة لَم تُكْحَل من الرّمَدِ
فـحسبوه فـألفوه كَمَا حسَبَت تِسْعاً و تسعينَ لَم تنقُص و لَم تَـزِدِ
فَـكمَّلَت مائـةً فيها حَمامتهـا و أسرَعَت حسبةً فـي ذلك العددِ

قصّة الشّجر الغازي

قصّة الشّجر الغازي هي أشهر ما وردنا عن زرقاء اليمامة على الإطلاق، والقصّة مذكورة في كتاب 'العقد الفريد' لابن عبد ربه الأندلسي، يقول:"زرقاء بني نُمير: امرأة كانت باليمامة تبصر الشعرة البيضاء في اللبن، وتنظر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام، وكانت تُنذر قومها الجيوش إذا غزتهم، فلا يأتيهم جيشٌ إلّا وقد استعدّوا له، حتّى احتال لها بعض من غزاهم، فأمر أصحابه فقطعوا شجرًا وأمسكوه أمامهم بأيديهم، ونظرت الزّرقاء، فقالت: إنّي أرى الشجر وقد أقبل إليكم؛ قالوا لها: قد خَرُفتِ ورقَّ عقلُكِ وذهب بصرك، فكذّبوها، وصبّحتهم الخيل، وأغارت عليهم، وقُتلت الزرقاء. قال: فقَوَّروا عينيها فوجدوا عروق عينيها قد غرقت في الإثمد من كثرة ما كانت تكتحل به."
وهناك رواية أخرى لهذه القصّة وردت في كتاب 'آثار البلاد وأخبار العباد' للقزويني، يقول فيها: "زرقاء اليمامة، كانت ترى الشخص من مسيرة ثلاثة أيام، ولما سار حسان نحو جديس قال له رياح بن مرة: أيها الملك إن لي أختاً مُزوّجة في جديس واسمها الزرقاء، وأنها زرقاء ترى الشخص من مسيرة يوم وليلة، أخاف أن ترانا فتنذر القوم بنا. فَمُر أصحابك ليقطعوا أغصان الأشجار ويتستّروا بها لتشبّهوا على اليمامة. وساروا بالليل فقال الملك: وفي الليل أيضاً؟ فقال: نعم! إنّ بصرها بالليل أنفذ! فأمر الملك أصحابه أن يفعلوا ذلك، فلما دنوا من اليمامة ليلاً نظرت الزرقاء وقالت: يا آل جديس سارت إليكم الشجراء وجاءتكم أوائل خيل حِمْيَر. فكذّبوها فأنشدت تقول:
خذوا حذركمُ يا قوم ينفعكم
فليس ما قد أرى بالأمس يُحتقر
إني أرى شجرًا من خلفها بشر
وكيف تجتمع الأشجار والبشر
خذوا طوائفكم من قبل داهية
من الأمور التي تخشى وتنتظر
ثوروا بأجمَعكم في وجه أولهم
فإن ذلك منكمْ فاعلموا ظَفر
وناهضوا القوم بعض الليل إذ رقدوا
ولا تخافوا لهم حربًا وإن كثروا

فلمّا دهمهم حسان قال لها: ماذا رأيت؟ قالت: الشجر خلفها بشر! فأمر بقلع عينيها وصلبها على باب جو، وكانت المدينة قبل هذا تسمى جواً، فسماها اليمامة وقال:
وسمّيت جوّاً باليمـامة بـعـدمـا
تركت عيوناً بالـيمـامة هـمّـلا"

الرأي المشكِّك

بالرغم من أنّ الحَكايا عن زرقاء اليمامة خالدةٌ حيّةٌ إلى اليوم، وأنّ ألسنة العرب تتداولها بِلا فتورٍ منذ القِدم، وأنّها تجري بين النّاس مجرى الأمثال إلّا أنّ هناك عددًا لا يُستهان به من الذين لا يقتنعون بهذه القصّة ويعارضون صحّتها؛ هؤلاء المشكّكون يدعمون رأيهم بأنّ الأرض كروية وغير مسطّحة، وهذا يعني أنّ أقصى مسافة لامتداد الأفق هو خمسة كيلومترات لأنّه إذا تمّ تجاوُز هذه المسافة لا يمكن -واقعيا- رؤية ما بعد الأفق لأنّه يختفي بسبب كرويّة الأرض ولا تستطيع أشعّة الضوء الالتفاف للوصول إليه؛ وهو الأمر الذي ينفي إمكانية تحقيق رؤية زرقاء اليمامة بالصّفات المذكورة.
ومهما يكن من صحّة هذه الأخبار من عدمها، فإنّ قصّة زرقاء اليمامة يمكن أن تؤخد على أنّها واحدة من روايات العرب العجيبة التي تصلح للاعتبار بحكمة المرأة وقوّة بصيرتها، كما أنّها تعطي درسًا مهمًّا عن ضرورة أخذ الحيطة والحذر وعدم الاستهزاء أو الاستخفاف بأيٍّ كان، فلولا تكذيب قوم الزرقاء لها لما هلكوا.

أبيات شعر خلّدت زرقاء اليمامة

غلب على العرب تخليد حكاياهم في أبيات شعرية يتداولونها جيلا بعد جيل، ولم تخرج قصّة زرقاء اليمامة عن هذا المنوال، حيث اتّخذها الكثير من الشعراء مثالا على قوّة البصيرة ورجاحة الفهم، فقد قال المتنبّي في ديوانه:
وأَبصر من زرقاء جوٍّ، لأنني
إذا نظرت عيناي ساواهما علمي
وهنا، فضّل المتنبي نفسه على زرقاء اليمامة فقال: إذا نظرت عيناي ساواهما علمي: أي أنهما لا يسبقان علمي، فإذا رأيت الشيء يبصره علمي بقلبي.
كما ذكر الأعشى صاحب إحدى المعلّقات العشر قصّة الزرقاء في عينيّته:
إذْ نظرتْ نظرةً ليست بكاذبة
إذ يرفّعُ الآلُ رأسَ الكلب فارتفعا
قالت: أرى رجلاً في كفِّه كتِف
أو يخصِف النعلَ، لهفي أيّةً صنعا!
فكذّبوها بما قالت فصبّحهم
ذو آلِ حسّانَ يُزْجي الموتَ والشِّرَعا
فاستنزلوا أهلَ جوّْ من منازلهم
وهدّموا شاخصَ البنيان فاتَّضعا

541 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018