اذهب إلى: تصفح، ابحث

سبب نزول سورة الكوثر

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 10 / 02 / 2019
الكاتب إيناس سامي الشربجي

سبب نزول سورة الكوثر

سورةُ الكوثر

يبلغ عدد سور القرآن الكريم مائة وأربعة عشر سورة، وهذه السُّور موزّعة على ثلاثين جزءًا، منها ما نزل لوصف قومٍ مُعيّنين، ومنها ما جاء لترسيخ العقيدة الإسلامية وتدعيمها، ومنها ما كان الهدف منه الحث على توحيد الله وطاعته، ومنها ما كان الغرض منه تسلية للرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- ومن السّور التي نزلت لتسلية الرسول، صلّى الله عليه وسلم، والتخفيف عنه، والتي تُعدُّ من قِصار السور، بل أقصر سورة في القرآن؛ سورة الكوثر، وفي هذا المقال، سيتم التعريف بسورة الكوثر بشكلٍ عام، ومناسبتها لما قبلها من القرآن، والغرض منها، وسبب نزولها، وبيان مُفرداتها، وتفسيرها، وفوائدها.

تعريف عام بسورة الكوثر

اختلف العلماء في كون سورة الكوثر من السُّور المكية أو المدنية، فذهب فريقٌ من العلماء إلى القول بأنَّها سورةٌ مكية؛ وهذا رأي جمهور العلماء، وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأنّها سورةٌ مدنيّة، أما عدد آياتها فهو ثلاث آيات، وهي مكونة من عشر كلمات، ومن اثنين وأربعين حرفاً، ورتبتها من بين سور القرآن الكريم يأتي بالقم مئة وثمانية، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد نَزَلت بعد سورة العاديات، وتُسمّى أيضاً بسورة النّحر.[١]

مناسبتها لما قبلها

وصَف الله في سورة الماعون الكفّار والمنافقين الذين يُكذّبون بالدين: أيْ بالجزاء الأُخروي بأربع صفات؛ هي: البخل، وترك الصلاة، والرياء أو المُراءاة في الصلاة، ومنع الخير والزكاة، وذكَر الله تعالى في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع، أربع صفاتٍ للنَّبي -صلّى الله عليه وسلم- فذكَر أنّه أعطاه الكوثر في مقابلة البخل، هي ذكر أنه أعطاه الكوثر كدليلٍ على الخير الكثير الدائم غير المنقطع، فأعطِ أنت الكثير ولا تبخل، وأمَره بالمواظبة على الصلاة: فَصَلِّ: أيْ دُمْ على الصلاة في مقابلة ترك الصلاة، وأمرَه بالإخلاص في الصّلاة في قوله: فصلّ لربّك: أيْ لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، في مقابلة المراءاة في الصلاة، وأمره بالتصدّق بلحم الأضاحي على الفقراء، في مقابلة منع الماعون، وهذه الخصال جميعها تُنافي الأوصاف التي أشار إليها تعالى في سورة الماعون السابقة لسورة الكوثر من صفات المنافقين وأهل الكفر والفسوق.[٢]

الغرض من سورة الكوثر

اشتملت سورة الكوثر على بشارة الله سبحانه وتعالى للنبيّ، صلى الله عليه وسلّم، حيث أعطاه الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وأمره بأن يشكره على هذه البشارات بالإقبال عليه بالعبادة والإخلاص له فيها، كما جاءت الآيات لتسليته -عليه الصلاة والسلام- عن صدّ المشركين له عن البيت في الحُديبية، ليُعلمه أن له الخير الكثير، كما أكّدت السُّورة أنّ ما جاء به المشركون وهمٌ لا حقيقة له، وجاءت لتردّ كيدَ المشركين في نحورهم، وأنَّ رسالته -صلى الله عليه وسلم- هي التي تحققت بالنصر، وأن الرًّسُل هم المُفلحون. وأعلمه أنّ له الخير الكثير.[٣]

سبب نزول سورة الكوثر

يرجع سبب نزول سورة الكوثر إلى لمز المشركين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ووصفهم له بصفات لا تليق به، ومن هذه الأمور التي كانوا يلمزونه ويعبونه بها ما يلي:[٤]

  1. أنّ الضعفاء هم الذين يتبعونه: فقد عاب المشركون والمنافقون على النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أن الذي يؤمن به ويُصدِّقه هم الفقراء الضعفاء؛ وليس السادة الكبراء، ولكن جرت سنّة الله أن تُستجاب دعوة الرسل من الضعفاء مع أنّهم لا يملكون مالاً، ولا جاهاً، ولا نفوذاً، ثمّ ظلّ الجدل بين المشركين والرسل، لكنّ الله نَصَرَ رسله، وأيّدهم، وشدّ أزرهم، وعلى هذا سار أهل مكة مع النبيّ، صلى الله عليه وسلم، حيث تخلّف السادة الكُبراء عن اتِّباع سيدنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلَّم- وآمن به الضعفاء.
  2. يصفونه بالأبتر لانقطاع نسله وموت أبناءه الذكور: فقد كان أهل مكة إذا رأوا أبناء النبيّ، صلى الله عليه وسلم، يموتون قالوا: انقطع ذكْر محمد وصار أبتر، وكانوا يحسبون ذلك عيباً فيه، حتى أنّهم حاولوا تنفير الناس أن يتّبعوا دعوته، ورسالته لهذا السبب.
  3. كان المشركون يفرحون فرحاً شديداً إذا نزلت بالمؤمنين شِدّة، فكانوا ينتظرون سقوطهم لتذهب ريحهم وسمعتهم والدولة التي أقاموها، لتعود لهم مكانتهم، وسيادتهم التي زعزعها الدين الجديد بظهور الإسلام والمسلمين.

تفسير سورة الكوثر

إنّ سورة الكوثر مُختصَّةٌ برسول الله -صلّى الله عليه وسلم- إذ هو المُخاطب بها، كما أنّها تحمل طابع التعزية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد رُوي أنّه لمّا مات القاسم ابن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال العاص بن وائل السهمي: بُتِر محمد، أو هو أبتر أي لا عقب له بعده، فأنزل الله تعالى هذه السورة للردّ على العاص، والتعزية للرسول، صلى الله عليه وسلم، والبُشرى له ولأمّته بالكوثر: أي الخير العظيم.[٥]

  • (إنّا أعطيْناكَ الكَوْثَر): الخِطاب هنا للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- تكريماً لمقامه، وتشريفاً له، أيْ يا محمد إنّا أعطيناك الكثير من الخير في الدنيا والآخرة، وقد ورد في الصحيح أن الكوثر هو نهر في الجنّة، حافتاه من ذهب، وتربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
  • (فصلّ لربّكَ وانحر): أيْ يا محمد صلّ لله وحده لا لغيره، فهو الذي أفاض عليك من الخير الكثير والدائم، وانحر الإبل التي هي طريقٌ لشكر الله سبحانه وحده لا لشكر غيره؛ لأنّ المشركين كانوا ينحرون للأصنام، لهذا أُمر أن تكون العبادة لله وحده بالتّوحيد والإخلاص.
  • (إنّ شانئَك هو الأبتر): أيْ إِنّ مُبغضك يا محمد هو المنقطع عن كلّ خير، حيث نزلت هذه الآية في العاص بن وائل عندما قال عن النبي عليه السّلام: أنه رجل أبتر عند وفاة ابنه القاسم.

فوائد سورة الكوثر

إنّ لسورة الكوثر فوائد عظيمة، ولتحصيل هذه الفوائد لا بدّ من تطبيق آياتها، ومن هذه الفوائد:

  1. الله -سبحانه وتعالى- معطاءٌ كريم: فصيغة (إنّا) التي افتُتِحت بها سورة الكوثر دلالةٌ على أن الله يُعطي الخير من يشاء ويمنعه عن من يشاء، وفيها بيان على أن العطية كانت للنبي محمد -صلّى الله عليه وسلم- حيث أن هذه العطية لم تكن لأيّ أحد، وهذا تشريفاً لمكانته.
  2. لا بدّ للمِحن أن تزول: فتُستبدل بالمِنح، فعندما أوذي النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- أعطاه الله الخير الكثير، وقد جاءت لفظة العطاء في السورة بصيغة الماضي دلالةً على أن العطاء سيتحقق وقوعه بلا شك.
  3. لجوء العبد للعبادة عند وقوع المصائب: فقد أمر الله -تبارك وتعالى نبيه أن يضرع إليه بالصلاة، وجاء الأمر في قوله (فصلِّ) مقروناً بالفاء للتعقيب، لتدلُّ على وجوب لجوء العبد للطاعة المُطلقة لله.
  4. لا يُمكن شكر الله سبحانه وتعالى إلا بالذّكر والعبادة، فهذه من أفضل طرق الشّكر.
  5. وجوب اتباع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: فبما أن الإتباع دلالة على المحبة وجبت إطاعة النبي -صلى الله عليه وسلَّم- فيما يأمر به نقلاً عن الله.

المراجع

  1. تعريف عام لسورة الكوثر: الألوكة.
  2. تفسير الرّازي: 117/32.
  3. محمد بن عاشور، التحرير والتنوير: 570/15.
  4. راجع، أحمد المراغي، تفسير المراغي: 252/30.
  5. الصّابوني(صفوة التفاسير: 586/3) بتصرّف.
367 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018