اذهب إلى: تصفح، ابحث
القرآن الكريم

سبب نزول سورة المزمل

محتويات المقال

سبب نزول سورة المزمل

التعريف بسورة المزمل

سورةُ المزمل، وهي سورةٌ مكيةٌ، وآياتها عشرون آية، وهي من أوائلِ السور التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي السورة الثالثة والسبعون في ترتيبِ المصحف، ابتدأت السورة في تفصيل العبادة، باعتبارها طريقاً للتقوى، وذكرت بعد ذلك العبادات التي يجبُ على المؤمن أن يؤديها، وأن يحافظ عليها تقرباً لله تعالى،[١] وهي سورةٌ مكيةٌ بالإجماع، إلا أن هناك قولاً لابنِ عباس، انها مكيةُ كُلها، إلا آيتين، وقال ابن يسار أن فيها آية مدنية.[٢]

وقد وجهت السورة النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرته الدعوية، وكيف يسير فيها ويتعامل مع مجرياتِ الأحداث، وكيف يتعامل مع من صدَ وكفر بدعوته، وسميت سورةُ المزمل بهذا الاسم، لأنها ابتدأت الحديث عن المُزمل، وهو النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه وابتداء رسالته، والمزملُ هو المُلتف بثيابه، وهو اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمره الله سبحانه وتعالى في بداية الآيات أن يترك التزمل، ويبدأ بتبليغ الرسالة، وكان هذا هو سبب نزول سورة المزمل.

وهناك مناسبةٌ بين سورة المزمل والسورة التي سبقتها، وهي سورة الجن، فقد ختمَ الله تعالى سورة الجن بذكر رسالات الرسل وتبليغهم لها، وابتدأ سورة المزمل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، وإندار قومه وأن ينشغل بالدعوة، ويقوم الليل عبادةً لله تعالى، وفي سورة الجن بينَ الله تعالى موقف قريش وأفعالهم من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مطلع سورة المزمل أمرهُ بالدعوة، وكأنَ فيه إشارة للنبي صلى الله عليه مع ما يلاقيه من أذى أن يستمر في دعوته لقومه.[٣]

سبب نزول سورة المزمل

نزلت سورة المزمل في بداية الدعوة، وتعريف "سبب النزول" هو نزول الآيات بحسب حدثٍ أو واقعة أو سؤال أيام وقوعها،[٤] ويؤخذ سبب النزول من الأحاديث الصحيحة التي توردُ في شأن الآيات، وجاء سبب نزول سورة المزمل في حديث طويل ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)[٥]

فقد جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتعبد في غار حراء، فإذا بالوحي جبريل عليه سلام يتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتلو عليه سورة العلق، وهي أولُ ما نزل من القرآن الكريم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم المَلك فأخذته الرعبةُ والخوف من هول الموقف، فكان الوحيُ ثقيلاَ على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى السيدة خديجة رضي لله عنها وهي ملاذه الآمن، وهو يرتجف، من رهبةِ وعظمِ الموقف، وطلب منها أن تغطيه، وتدفئه، فأنزل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك سورة المزمل.

وقد ذكرَ ابن كثير في تفسيره أن سببَ نزول سورة المزمل، انه اجتمع كبار قريش وزعمائها يوماً في دار الندوة بعد ما بلغهم من الرسالة التي أنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فبدأوا يتباحثون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وينظرون في أمره ويمكرونَ له، ويبحثون له عن اسم يجعل الناس ينفِرُونَ منه ولا يؤمنون به، فتارةً يقولون ساحر وتارةً مجنون وكاهن، ولما بلغ ذلكَ النبي صلى الله عليه وسلم أصابه من الهمِ ما أصابه، وبدأ يفكر في موقف قومه من رسالته، فعاد حزيناً وتدثرَ في ثيابه وتزمل فيها، فأنزل الله تعالى سورة المُزمل.[٦]

موضوع سورة المزمل

جاء في سورة المزمل تكليفُ النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة، وخُصت عبادة الليل وهو قيامُ الليل، لأنها تقوي علاقةَ العبدِ بربه، فيكون في ظلمةٍ وصفاءٍ وهدوءٍ يناجي ربه ويبتهل إليه بالخشوعِ والتضرع، فتتحقق الحالةُ الروحانية، والخشوع والإخلاص لله سبحانه وتعالى، وأمرت الآيات النبي صلى الله عليه وسلم، بقراءة القرآن وترتيله، وتدبره وفَهمِ معانيه ومقاصده، وأُمر صلى الله عليه وسلم بإدامة وكثرة ذكر الله تعالى، والصبر في دعوته، وأن يُشغِلَ نهاره في الدعوة لله سبحانه وتعالى، واكتسابِ رزقه، فكان سبب نزول سورة المزمل، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم تزملَ بغطائهِ بسبب ارتعاده من نزول الوحي، فأنزل الله تعالى عليه الآيات.[٧]

وأما خطابُ الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بقول المزمل فذُكرَ فائدتان، الأولى هي الملاطفة، والثانيةُ هي التنبيه لأي متزملٍ ينام ليلته، لينبهه الله تعالى لقيام اليل وذِكرِ الله تعالى، ولكي لا يفوته عظيم أجرِ قيام الليل،[٨] واختلف علماء التفسير في معنى المُزمل، فقيل هو المُزمل بالنبوة، وقيل المُزملُ بالقرآن، وقيل من تزملَ بثيابه لمنامه، وما ثبتَ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام، وارتعدَ لرؤيته، ذهب إلى خديجة وقال لها زملوني، فحاطبه الله سبحانه وتعالى بها، وكانت سبب نزول سورة المزمل.[٩]

المراجع

  1. سعيد حوى، الأساس في التفسير، 11/6200.
  2. ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، 4/352.
  3. وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، 29/187..
  4. مجموعة من الأساتذة، الموسوعة القرآنية المتخصصة، 1/30.
  5. البخاري، صحيح البخاري، 3، ومسلم، 106.
  6. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 8/206.
  7. وهبة الزحيلي، التفسير الوسيط، 3/2759.
  8. ابو العباس الصوفي، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، 7/163.
  9. الشوكاني، فتح القدير، 5/378.
سبب نزول سورة المزمل
Facebook Twitter Google
126مرات القراءة