اذهب إلى: تصفح، ابحث

قصة قبل النوم

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 17 / 02 / 2019

قصة قبل النوم

قصة قبل النوم

"يا أبي، احك لي قصة" هذا هو الطلب الذي يطلبه أي طفل صغير استلقى على فراش النوم: قصة قبل النوم.

تعد قصة قبل النوم التي يرويها الآباء على أبنائهم إحدى الفرص التربوية الجيدة لبث القيم والأخلاق إلى الأبناء. الأمر بالامتثال بالقيم بشكل مجرد، لا يكون ذا تأثير قوي مثلما تُقدَّم القدوة بشكل عملي، أو عندما تُدمج تلك القيمة في عمل قصصي يستمتع به الطفل.

لذلك من المفضل انتقاء القصص التي تبث قيمة أو معنى لدى الأطفال، خاصة وأن غالبية القصص تُروى للأطفال في مرحلة عمرية من 4 – 10 سنوات، وهي مرحلة زرع القيم فيهم.

كذلك يجب دعم القصص التي تفتح المدارك وتوسع نطاق الخيال بشكل مفيد للطفل، والبعد قدر الإمكان عن القصص التي ينتج عنها الكثير من الأسئلة من قبل الطفل. فلا يجب أن تتحول القصة الطريفة إلى حصة تعليمية، وإلا فقدت مضمونها الثري القائم على التسلية.

في هذا السياق سنروي 3 قصص تدعم هذا المقصد، كل منها تدعم قيمة أخلاقية لدى الطفل، وتساعد على توسعة مداركه.

قصة الكذب القاتل

أمجد طفل جميل ومهذب، ولكنه كثير الكذب. يحب أن يداعب الناس بالكذب. فذات مرة كانت جارته تصعد سلالم منزلهم فصرخ فيها: احترسي من الكلب، إنه يجلس على السلم. فصرخت السيدة وتراجعت سريعًا بفزع، وضحك هو كثيرًا عليها، وأنه تمكن من خداعها.

في صيف ذلك العام، ذهبت أسرته إلى إحدى المدن الساحلية للاصطياف. ففكر أمجد في فكرة جديدة يمزح بها مع المصطافين على شاطئ البحر. أمجد يمكنه السباحة بسهولة؛ ولكنه دخل في منطقة عميقة من البحر، وفجأة بدأ يصرخ: النجدة .. النجدة .. لا يمكنني العوم .. سأغرق.

فتدافع إليه الناس لإنقاذه، وحينما وصلوا إليه ضحك بشدة وهو يشير إليهم بيده مازحًا. تعجب الناس من ضحكه وهو الذي كان يصرخ منذ ثوان. وقبل أن يسألوه عن سبب ضحكه قال لهم: خدعتكم. فأنا يمكنني السباحة بسهولة. تضايق الناس من هذا التصرف غير المسؤول من الغلام الصغير، وانصرفوا إلى أماكنهم مرة أخرى.

في اليوم التالي فعل أمجد الشيء نفسه، ووصل إليه بعض السباحين المهرة وأفراد الإنقاذ لإنقاذه، فضحك عليهم وهو يشير إليهم بيده إشارات مستفزة ضايقتهم كثيرًا.

في اليوم الثالث قرر أمجد إعادة الكرة للمرة الثالثة. وبالفعل دخل في المنطقة العميقة، وبدأ يصرخ بصوت عالٍ بأنه يغرق. فنظر إليه من انخدعوا فيه في اليومين السابقين وتجاهلوه. ظل على تلك الحال لحظات ويتجاهله الناس في كل مرة.

وفجأة شعر بالموج يسحبه إلى الداخل، ووجد أنه لم يستطع دفع نفسه إلى الأمام كما كان يفعل في كل مرة، فانتابه الفزع وأخذ يصرخ بفزع: إني أغرق .. النجدة .. إني أغرق. غير أن الناس تجاهلوه مرة أخرى قائلين في أنفسهم: إنه الفتى الكاذب، صاحب الخدعة نفسها كل يوم. ولكن الفزع استبد به أكثر، وأخذ يصرخ بجنون: إني أغرق .. إنني أغرق حقًّا هذه المرة .. أنقذوني.

ظل الناس على تجاهلهم، بينما هو يصارع الموت، غير أن واحدًا من الناس نظر إليه وإلى فزعه، وإلى فعل الأمواج به، فشك أنه لا يكذب، وأنه يغرق بالفعل، فانطلق إليه وأنقذه. شعر الفتى بالامتنان له، والتف حولهما الناس حينما وجدوا أنه كان يغرق بالفعل وفي عيونهم نظرة عتاب. فقال لهم معتذرًا: لن أكذب مرة أخرى. سامحوني. لقد كاد الكذب أن يقتلني.

قصة عاقبة الأمانة

كان هناك تاجر قماش بالمدينة يُدعى (أبو عمار) له الكثير من الأموال. حدثت أزمة في تجارته، فباع كل ما يملك تباعًا، حتى باع المتجر الذي كان يبيع فيه تجارته، وتحول إلى بائع بسيط يبيع ما معه في الطرقات. وكان لأبي عمار صاحب مخلص لا يفارقه أبدًا في حله وترحاله، عزه وفقره، رخائه وشدته. كان نعم الصاحب بحق، اسمه (حسان).

وكان أبو عمار مشتهرًا بين الناس والتجار بأمانته الشديدة وحرصه على الكسب الحلال. وعلى الرغم من شهرته وسمعته، فقد رفض التجار الأثرياء إعطاءه أنواعًا فاخرة من القماش للمتاجرة فيها، على أن يسدد ثمنها بعد حين (أي البيع بالأجل). فمن وافق منهم، أعطاه أنواعًا رديئة من القماش، لم يستطع هو نفسه بيعها للعيوب التي بها. ولكن لشدة ضيق الحال بأبي عمار وافق على أخذ هذا النوع من القماش وبدأ ببيعه.

كان كلما جاءه مشتر يطلب بضاعته، يعرض أبو عمار العيب الذي في القماش للمشتري، فإن شاء اشتراه على عيبه بسعر مقبول، وإن شاء تركه. ظل على هذا الحال طوال اليوم، ولم يتمكن من بيع قطعة قماش واحدة. ضاق الأمر بصاحبه حسان، فصاح فيه:

- يا أبا عمار، ألا ترى ما نحن فيه؟ لماذا تصر في كل مرة على عرض العيب للزبون؟ دعه يكتشفه بنفسه. أليس له عينين يرى بهما؟ لماذا تخبره كل مرة بالعيب؟

- من غشنا فليس منا يا حسان. ماذا لو لم يلحظ العيب واشترى القماش وهو يظن أنه سليم؟ أتراه يسامحنا؟ لو لم يستطع العودة إلينا لرد القماش، سيدعو الله علينا، فيفسد حالنا. وإذا استطاع العودة، رد القماش ولم نكسب شيئًا، بل خسرنا سمعتنا. الله يكفينا، إن شاء الله.

لم يقتنع حسَّان بقوله، وانتهز فرصة ذهاب أبي عمار للصلاة، وباع لزبون بعض قطع القماش بدون أن يوضح له العيب. فاشترى الزبون القماش وانصرف. عاد أبو عمار من الصلاة، وفرح بالبيعة فرحًا كبيرًا، ولكنه سأل حسان:

-هل وضحت العيب للمشتري؟

صمت حسان ولم يرد عليه على الفور. لم يكن يستطع أبدًا الكذب على أبي عمار. وعرَف أبو عمار كذبه من عينيه، فصاح غاضبًا:

- غششت الرجل! هَلُمَّ نلحق به قبل أن يبتعد.

انطلق أبو عمار مع صاحبه للبحث عن الرجل حتى وجداه. أوقفه أبو عمار ووضح له العيب الذي في القماش، واعتذر له عن الخطأ، وعرض عليه استرداد ماله إن رغب. ففوجئ بالرجل يقول له:

- بل أرغب في ما هو خير لك ولي. لقد مررت بهذا السوق، فرأيت ألوانًا من الناس، ولكن لم أجد من هو في أمانتك. أنا تاجر من دمشق مرتحل يا صديقي، وكنت أبحث عمن يساعدني في إقامة تجارتي بالمدينة، فما رأيك أن تشاركني؟ سأدعمك بالمال، وتجلب أنت البضائع، وتدير التجارة ونقتسم الربح. ما رأيك؟

ألجمت الفرحة أبا عمار، وشعر بغشاوة الدموع علي عينيه. والتفت إلى صديقه حسان، يريد أن يخبره نتيجة الأمانة، وكيف أكرمهم الله بهذا الخير، ولكنه تذكر أنه أمام الرجل الغريب، فآثر ستر صاحبه. وافق أبو عمار على عرض الرجل، وعادت تجارته إلى الرواج مرة أخرى، واسترد محله الذي باعه سابقًا، وعمرت داره بالخير الكثير، بركة من الله جزاء أمانته.

قصة الله يرانا

قصة قبل النوم الثالثة، قصة حقيقية. حدثت في زمن خلافة عمر بن الخطاب، وكان الراوي لها هو عمر نفسه. كان من عادة بائعي اللبن في هذا الزمن أن يخلطوا اللبن بالماء ليزيدوا حجمه فيكسبوا أكثر، فاشتكى الناس هذا الأمر لعمر، فأرسل عمر مناديًا يطوف في المدينة يحذر الناس من خلط اللبن بالماء، وأن هذا غش للمسلمين، وأن من يفعل ذلك فسوف يعاقبه أمير المؤمنين عقابًا شديدًا.

وكان من عادة عمر رضي الله عنه تفقد الرعية ليلًا، ربما يجد من يحتاج إلى شيءٍ فيعينه. ذات ليلة مر عمر هو وغلامه أسلم بجوار دار إحدى بائعات اللبن، فجلس يستريح هنيهة. فبينما هو كذلك إذ سمع امرأة تنادي ابنتها قائلة: هلم، ساعديني لنخلط اللبن بالماء. استوقفت الكلمة عمر لحظة، فأنصت لهما.

ردت الفتاة على أمها: ولكن نادى منادي عمر اليوم، وأمرنا ألا نخلط اللبن بالماء.

فقالت لها أمها: يا بنيتي قومي فاخلطي اللبن بالماء، فإنك بموضع لا يراه عمر، ولا منادي عمر.

فكان رد الفتاة الحازم: ما كنت لأطيعه في العلن، وأعصيه في الخفاء. وإن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا.

تعجب عمر من صنيعها. نادى على أسلم – غلامه – وطلب منه وضع علامة على هذا الدار. في الصباح طلب منه السؤال عن تلك الفتاة وأمها، وما إذا كان لها زوج أم لا. فعاد أسلم بالخبر أن الفتاة هي أم عمارة بنت سفيان، تعيش في المدينة مع أمها، وليس لها زوج. فجمع عمر أبناءه الثلاثة عبد الله وعبد الرحمن وعاصم، وسألهم إن كان لأحدهم حاجة في زوجة ليزوجه تلك الفتاة بالتحديد. فاعتذر عبد الله وعبد الرحمن، وطلبها عاصم لنفسه، فلم يكن له زوجة.

أنجبت له أم عمارة بنتين: حفصة وليلى. تزوجت ليلى من عبد العزيز بن مروان، وكان أبوه هو الخليفة الأموي مروان بن الحكم حينذاك، وأنجبت له ولده عمر بن عبد العزيز الذي صار خليفة للمسلمين، وعُرِفَ عنه الصلاح والتقوى والعدل والورع، حتى أنه لُقِّبَ بخامس الخلفاء الراشدين منزلة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ.

فانظر إلى بركة طاعة الله وخشيته في السر والعلانية، إلى أين تمتد، وإلى أين تصل.

307 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018