اذهب إلى: تصفح، ابحث

قيام الدولة المرابطية

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 29 / 10 / 2018
الكاتب أنس حموتير

قيام الدولة المرابطية

قيام الدولة المرابطية

يعد تاريخ الدولة المرابطية بحق، حلقة من حلقات المجد والبطولة والجهاد ليس فقط في تاريخ المغرب، بل على مستوى التاريخ الإسلامي ككل.فقد لَمَّت هذه الدولة المجاهدة شمل الغرب الإسلامي (المغرب والأندلس)، كما ردت أطماع النصارى في بلاد المسلمين وخلصت الأندلس من الحملات الصليبية. إلا أن تأسيس الدولة المرابطية جاء في خضم أحداث خطيرة كان يمر بها المسلمون ـ خاصة في الغرب الإسلامي ـ ، فمن جهة كانت الأندلس تشهد فرقة خطيرة تمثلت في العصر المعروف في كتب التاريخ بعصر "ملوك الطوائف"، إضافة إلى هذا، فقد تجبر ملوك النصارى وهددوا أركان الإمارات والدول المسلمة آنذاك، إلى درجة أن بعض أمراء وملوك الطوائف كانوا يرسلون بانتظام إتاواتٍ إلى "ألفونسو السادس" مقابل حمايتهم.

أما في الضفة المغربية، فقد كان المغرب يفتقر إلى الوحدة السياسية والمذهبية، مما أثار القلاقل والنزاعات بين مختلف الكيانات السياسية، خاصة بُعيد سقوط دولة الأدارسة. في خضم هذه الأحداث ظهرت حركة مجاهدة كان هدفها الأسمى نشر الإسلام و توحيد كلمة المسلمين ورد العدوان الصليبي.

أصل المرابطين

يعود أصل مؤسس الدولة المرابطية إلى اللف القبلي الذي يسمى "صنهاجة"، إلا أن المؤرخين يختلفون في التأصيل لهذه القبيلة، فمنهم من يذهب إلى القول بأصلهم الأمازيغي معللا ذلك بطريقة لبسهم، وبلسانهم الأمازيغي، إلا أن الراجح و هو ما يذهب إلى الأخذ به غالبية المؤرخين و هو تأصيل "صنهاجة" إلى قبيلة "حِمْيَر" العربية اليمنية[١] التي هاجرت في عصور قديمة إلى شمال إفريقيا، ونزلت في طريقها ببلاد "فينيقيا" (كعان، بلاد الشام حاليا) ليستقر جزء منهم بها ويكمل المسير قائدهم "إفريقش" نحو تونس التي سميت منذ ذلك الحين باسمه (إفريقية)، لتكمل الفئة الباقية طريقها في اتجاه المغربين الأوسط (الجزائر) والأقصى (المغرب)[٢]، علاوة على هذا، فقد نقل بن أبي زرع الفاسي نظما يعزى للشاعر الصنهاجي "أبو فارس عبد العزيز الملزوزي" يقول فيه:

مرابطون أصلهم من حمير.....قد بعدت أنسابهم عن مضر

وإن صنهاج أبوه حمير.....وهو ابنه لصلبه لا العنصر

أكرم به من نسب صريح.....فقلته فلا تخفه بالتصريح

وعدلهم وفضلهم مشهور.....ومجدهم وسعدهم مذكور[٣]

الأوضاع العامة للمغرب قُبيل تأسيس الدولة المرابطية

استوطن الصنهاجيون المنطقة الصحراوية الممتدة من "غدامس" شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن جبال "درن" شمالا إلى وسط الصحراء الكبرى جنوبا، وقد اعتنقوا الإسلام بعد الفتح الإسلامي، فجاهدوا مع الفاتحين الأوائل للأندلس، وتناسوا الردة بعدما كانوا على دين المجوسية[٤]. إلا أنهم كانوا يفتقرون إلى الإلمام بالعلوم الشرعية وبأبسط الشرائع الإسلامية، فانتشرت المنكرات والفواحش ببلادهم، و"لم يكن لهم من الإسلام إلا الشهادتين"[٥]، آنذاك قرر زعيمهم "يحيى بن إبراهيم الجدالي" أن يسافر حاجاًّ إلى بيت الله الحرام لكي يدعم الحلف الصنهاجي روحيا، وعند عودته مر بالقيروان فالتقى بالعالم "أبي عمران الفاسي" الذي دله على فقيه بلاد "نفيس" بمنطقة "سوس" بالجنوب الغربي للمغرب، يدعى "وجاج بن زلو اللمطي"[٦] ، فسار إليه طالبا منه أن يمده بمن يراه أهلا لكي يعلم أهله أمور دينهم، فأشار على تلميذه الشيخ "عبد الله بن ياسين" أن يذهب معه لهذا الأمر، فقبل بدون هوادة.

جمع "عبد الله بن ياسين" قبائل صنهاجة في رباط دعوي ناحية بجزيرة نائية تقع في سواحل بلاد "السودان الغربي" (السينغال)، وبدأ يلقنهم أمور دينهم ويحثهم على إتباع الأوامر الإلهية إلى أن استقر الإسلام الصحيح في نفوسهم، فأمرهم بالانتقال إلى مرحلة الدعوة، حيث يقول ابن أبي زرع الفاسي في هذا الصدد: "فقال لهم اخرجوا على بركة الله تعالى وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته، فإن تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا مما هم عليه فخلوا سبيلهم، وإن أبوا عن ذلك وتمادوا في غيهم... استغثنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم، حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين"[٧]، هكذا عقد "عبد الله بن ياسين" العزم على تحويل رباطه من "رباط دعوي" إلى "رباط للجهاد" فقال له أحد أتباعه "أيها الشيخ المبارك، مرنا بما شئت تجدنا سامعين لك مطيعين، و لو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا"[٨]، ليخرج بجيشه إلى القبائل الصنهاجية التي لم تتبعه بعد داعيا إلى الله، فلما يئس منهم أعلن الجهاد والحرب عليهم[٩].

انطلاق الحركة المرابطية

سميت حركة صنهاجة وزعيمهم "عبد الله بن ياسين" باسم "الحركة المرابطية" نسبة إلى بؤرة هذه الحركة الجهادية التي تقوم على إقامة الرباطات، ومن المنطقي أن يحتاج بن ياسين في مستهل حركته تلك إلى تعاطف المزيد من القبائل، فبعدما ملك جميع مناطق الصحراء بلاد الصحراء الكبرى واستولى على غنائم القبائل التي انتصر عليها، بعث بمال عظيم مما اجتمع عنده من الزكاة و الأعشار و الأخماس إلى طلبة بلاد "المصامدة" وقضاتها[١٠]. توفي الأمير المرابطي "يحيى بن إبراهيم الجدالي" سنة 1048م، فجمع عبد الله بن ياسين قادة صنهاجة لاختيار أميرهم وبيعته على مبدأ الخلفاء الراشدين (الشورى)، فوقع الاختيار على "يحيى بن عمر اللمتوني" الذي سيشرع في فتح المناطق المجاورة للصحراء، إلى أن وصل إلى بلاد السودان الغربي غازيا، بعد ذلك عاود المسير في اتجاه الشمال فمر ببلاد "سجلماسة" التي كانت قد راسلته مستغيثة من جور حكامها "الزناتيين المغراويين" فضمها إلى حوزة المرابطين.

وأثناء جهاده لقبائل "برغواطة"، قُتل الأمير يحيى بن عمر سنة 1056م، فقدم ابن ياسين أخاه الأمير "أبو بكر بن عمر اللمتوني" الذي تابع الجهاد على سنة من سبقوه ففتح بلا المصامدة وبلاد سوس، إذ جهز جيشا عرمرماً واختار ابن عمه "يوسف بن تاشفين" لكي يتولى أمر القيادة، وكان ذلك أول ظهور لابن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، ثم اتجه الأمير المرابطي "أبو بكر بن عمر اللمتوني" صوب مدينة "أغمات" التي كانت مزدهرة حضاريا، وكانت على دين النصرانية القديمة[١١]، فأمر قائد جند "يوسف بن تاشفين" لكي يهاجمها، فحاصرها وظفر بها، ثم توجه الجيش المرابطي إلى تامسنا التي كانت تحت حكم قبائل "برغواطة" المجوسية، فحمي الوطيس بينهم وانتصر المرابطون عليهم، إلا أنه في خضم المعركة أصيب "عبد الله بن ياسين" بجروح خطيرة استشهد متأثراً بها سنة 1059م.

وبعد المعركة وصل إلى أبي بكر، قرر تولية ابن عمه يوسف أمر فتوحات المغرب سنة 453هـ وترك معه ثلث الجيش فقط[١٢]، في حين ذهب بالثلثين في اتجاه الصحراء فاتحاً وناشراً للإسلام.

تأسيس الدولة المرابطية

بعدما افترق يوسف بن تاشفين مع بن عمه أكمل الفتوحات بالمغرب، فضم العديد من المناطق الحساسة، وقضى على كل الكيانات السياسية والدينية والمذهبية بالبلاد، و أصبح نفوذ المرابطين يتسع شيئا فشيئا، إلى أن صارت تمتد من نهر "شرف" شرقاً، (بالجزائر العاصمة) إلى المحيط الأطلسي غرباً[١٣].

ثم لبى نداء استغاثة ملوك الطوائف ممثلين بملك إشبيلية "المعتمد بن عباد"، وانتصر على الصليبيين في معركة الزلاقة سنة 1086م، إلا أنه بعدما أعاد ملوك الطوائف الاقتتال فيما بينهم واستنصروا بالنصارى على إخوانهم، قضى عليهم يوسف بن تاشفين وضم الأندلس إلى ملكه موحداً إياها مع حوزته في المغرب[١٤].

  • نسب يوسف بن تاشفين: هو يوسف بن تاشفين "بن إبراهيم بن ترقوت بن وارتقطين بن منصور بن مصالة بن تلميت الحِميَري الصنهاجي اللمتوني من ولد عبد شمس بن وائل بن حميار"[١٥].
  • أوصاف يوسف بن تاشفين: كان أسمر اللون معتدل القامة نحيف الجسم رقيق الصوت أسود العينين، له وفرة تبلغ شحمة أذنيه، مقرون الحاجبين أجعد الشعر[١٦].

المراجع

  1. الهادي روجي إدريس ـ الدولة الصنهاجية، تاريخ إفريقيا في عهد بني زيري
  2. ابراهيم القادري بوتشيش ـ مقالات في تاريخ المغرب الإسلامي خلال عصري المرابطين والموحدين
  3. ابن أبي زرع الفاسي ـ الأنيس المطرب روض القرطاس، في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس
  4. ذ.أنس حموتير ـ الفتح المبين في أخبار دولة المرابطين
  5. ابن أبي زرع الفاسي ـ المصدر السابق
  6. ابن عذارى المراكشي ـ البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، الجزء الرابع
  7. ابن أبي زرع ـ المصدر السابق
  8. ابن أبي زرع ـ المصدر السابق
  9. حميدي عبد المنعم محمد حسين ـ التاريخ السياسي والحضاري للمغرب والأندلس في عصر المرابطين
  10. أبو عبيد البكري ـ المُغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب
  11. الدكتور سعدون عباس نصر الله ـ دولة المرابطين في المغرب والأندلس
  12. مؤلف مجهول ـ كتاب الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشي
  13. ذ.أنس حموتير ـ الفتح المبين في أخبار دولة المرابطين
  14. دندش عصمت عبد اللطيف ـ دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا
  15. الدكتور علي محمد الصلابي ـ الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين
  16. ابن أبي زرع الفاسي ـ المصدر السابق
316 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018