اذهب إلى: تصفح، ابحث

ما هي الكبائر

التاريخ آخر تحديث  2018-08-29 16:17:03
الكاتب

ما هي الكبائر

إنّ لنا كمسلمين أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أشد الناس حرصا على معرفة الخير وما ينفعهم ويدخلهم الجنة وكذلك حرصوا على معرفة الشر حتى يتقوه ويبعدهم بذلك عن النار والعياذ بالله، فهم سلفنا وهم خير البشر بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لذلك وجب علينا اتباع آثارهم والاقتداء بهم، ومما سنتناوله في مقالنا هذااليوم، واقتداءا بهم رضوان الله عليهم، هو معرفة ما هي الكبائر التي حذرنا منها ربنا عز وجلّ في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وما هو خطر الوقوع في كبيرة من الكبائر؟ وما ذا يجب على من وقع في واحدة منها؟ وما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في من مات على كبيرة؟

ما هي الكبائر؟

اختلف أهل العلم -رحمهم الله- في تعريف الكبائر أو الكبيرة، وأرجح الأقوال -والله أعلم-، أن الكبيرة هي ما كان فيه حدّ في الدنيا ووعيد ولعن من الله وتوعّد بالعذاب لفاعلها، قال القرطبي أبو عبد الله المفسر رحمه الله: كُلُّ ذَنْبٍ عَظَّمَ الشَّرْعُ التوعد عليه بِالْعِقَابِ وَشَدَّدَهُ، أَوْ عَظُمَ ضَرَرُهُ فِي الْوُجُودِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَمَا عَدَاهُ صَغِيرَةٌ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أَمْثَلُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمَا؛ وَهُوَ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا دُونُ الْحَدَّيْنِ: حَدُّ الدُّنْيَا وَحَدُّ الْآخِرَةِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَا لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةِ أَوْ غَضَبٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ.

الكبائر هي كل ما كبر من المعاصي و عظم من الذنوب، قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]، و قد عرفها بعض العلماء و هو رأي الجمهور منهم بأنها كل ما أوجب عليه الشارع عقاب في الدنيا أو وعيد في الأخرة، و من أنواع الكبائر الشرك بالله، السرقة، الزنا، قتل النفس التي حرم الله، عقوق الوالدين، شهادة الزور، السحر، ترك الصلاة إلى غيرها من عظائم الذنوب، التي توجب اللعن أو دخول النار ما لم يستتاب فاعلها. و أعظم الكبائر على الإطلاق هو الشرك بالله، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72]، و قال صل الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله» [متفق عليه].

ما هي علامات الكبائر وأوصافها

  1. كل ما وُصِف بالموبقات، روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ )، فكل هذه الذنوب المذكورة هي من الكبائر.
  2. الإصرار على الصغيرة يصبح كبيرة، يصبح كبيرة بالفعل والإصرار على تكراره، قد يصرّ الإنسان على محادثة النساء فإن فعله مرة كانت صغيرة، لكن إذا صار همّ الإنسان مكالمة النساء عبر الهاتف أو عبر وسائل التواصل فيصبح فعله كبيرة بإصراره عليه، قال ابن القيم رحمه الله: الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها .
  3. وصف الذنب بأنه ظلم عظيم، كقولِ الله تعالى: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان: 13].
  4. التوعّد بالغضب عل فاعلها من الله، قال الله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) [النساء: 93]، وقتل النفس مذكور في حديث السبع الموبقات أيضا.
  5. أن يكون للذنب حدّ في الدنيا، كالسرقة والزنى وغيرها من الذنوب التي توجب حدّ الكفارة.
  6. أن يكون عقاب فاعل الذنب بأن لا تقبل منه صلاة، قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))، فهذا يدلّ على عظم الدنب المرتكب وأنه من الكبائر.
  7. كل ذنب توعّد الله صاحبه بدخول النار، عن سَعِيد بْن جُبَيْرٍ قَالَ: ((كُلُّ ذَنْبٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إِلَى النَّارِ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ)) [صحيح: أخرجه الطبري].

ماذا يجب على مرتكب الكبائر

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((التوبة تجب ما قبلها))، فعلى مرتكب الكبائر أن يبادر بالتوبة النصوح إلى الله عزّ وجلّ، والتوبة النصوح كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم تجب ما قبلها، وقال في حديث آخر: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))، لكن عليه أن يصدق الله في توبته، ويندم على ما فعل ويقلع عنه خشية وخوفا من الله سبحانه وتعالى، ويعزم أن لا يرجع إلى الذنب، وإن كان الأمر متعلقا بحق من حقوق الناس فعليه أن يردّ المظالم إلى أهلها ويستحل من ذلك.

عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبائر

مرتكب الكبائر عند أهل السنة والجماعة -كما ذكر العلماء-، فاسق عاصي لكنه لا يخرج من ملة الإسلام، عكس عقيدة الخوارج الفاسدة والذين يكفّرون مرتكب الكبيرة ويستحلّون دمه، فمرتكب الكبائر عند أهل السنة فاسق ما لم يستحلّها، أي لا يأتي شخص ويقول قتل النفس أمر حلال ولا إشكال فيه، ما دون ذلك فهو مسلم عاصي أو فاسق، وعليه التوبة منها، وإن مات فأمره إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه على ذنبه، ثم يخرجه الله تعالى من النار ويدخل الجنة بعد التطهير، أما الخوارج فيقولون أن مرتكب الكبيرة الذي لم يتب منها ومات، هو كافر مخلّد في النار، وهذا أمر باطل، يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:48]، فالله يغفر جميع الذنوب قبل الموت حتى الشرك، يقول الله عزّ وجلّ: (( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)) [الفرقان 68 - 70]، فالتائب من الشرك توبة نصوحا يقبل الله توبته، أما إن مات على شركه فلن يغفر الله له كما أخبر في الآية لسابقة.

هل حدّ الكبيرة يكفّرها

خير جواب على هذا السؤال ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» ، يعني غير الشرك، قال عبادة: فبايعناه على ذلك)) [رواه البخاري ومسلم].

هل يمكن التوبة من الكبائر؟

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الفرقان: 68-70]،

قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» [رواه مسلم] و هو ما يعني أن باب التوبة لم يغلق في وجه مرتكب الكبيرة فمهما عظم الذنب فباب الرجاء و التوبة مفتوح على مصرعيه.

هل مرتكب الكبيرة مخلد في النار؟

اختلف العلماء في من مات على كبيرة ولم يستتاب منها، جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة يرى أن من مات على كبيرة دون الشرك و الكفر فلا يخلد في النار و استدلوا على ذلك {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 48]، {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [سورة المائدة: 72] فالكبائر لا تنقض الإيمان ولا تنافيه و مرتكب الكبيرة فاسق و عاصي تجب عليه التوبة لكنه ليس بكافر، و من مات على معصية لا يخلد في النار خلود دائم فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه و إن شاء عذبه على قدر المعاصي التي ارتكبها، ثم يخرج من النار بعدها، و الله أعلى وأعلم. [١]

المراجع

مرات القراءة 1505 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018