اذهب إلى: تصفح، ابحث

مدينة أفلاطون الفاضلة

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 25 / 02 / 2019
الكاتب Mohammed Walidz

مدينة أفلاطون الفاضلة

المدينة الفاضلة قبل أفلاطون

في عصر سقراط وما قبله، أثّر السوفسطائيون بشكل كبير على المجتمع من حولهم. وذلك من خلال بعض مذاهبهم مثل الشكوكية المطلقة، الذي يشككون به في كل معرفة، ومن خلال نقدهم لفكرة وجود الخالق وغيرها من الأفكار الأخرى المؤثّرة على سلوك المجتمعات مثل الخير والشر وأفضل الصور التي يجب أن تقوم عليها الدول. في هذا الأمر، ذهب بعض السوفسطائيون إلى اعتبار النظام الطبيعي خير، والنظام المدني شر، ودللوا على ذلك بالقول أن جميع الناس متساوون بالنسبة إلى الطبيعة، وأن ما يؤدّي إلى القضاء على هذه المساواة الطبيعية هو مدينة الدولة من خلال وضع القانون وتقسيم الناس طبقات مختلفة، وبذلك لا يكون القانون إلا وسيلة مبتكرة من قِبَل الأقوياء تُستغل لحكم الضعفاء.

من الناحية الأخرى، ذهبت الفئة الأخرى من السوفسطائيين إلى أن الناس غير متساوون بالنسبة إلى الطبيعة، فالبعض خُلقوا أقوياء أو ذوي قدرة، والبعض خلقوا أقل قوة، ولذلك اخترَع الضعفاء فكرة الأخلاق بغرض تقييد الأقوياء، وبحسب ذلك، اعتبروا أن الدولة الأفضل هي الدولة التي تتخذ من الأرستقراطية وتقسيم الناس إلى طبقات منهجًا لها، باعتبار أنها الدولة الأكثر توافقًا مع الطبيعة.

أدّت آراء السوفسطائيون المختلفة إلى زعزعت إيمان الشباب بالقوى العُليا أو الآلهة، والتي كان لها دورًا هامًا في التمسّك بالأخلاق حينها في المجتمع الأثيني، إذ كانت التمسّك بالأخلاق يعززه السعي إلى الجزاء والمكافأة في الحياة التالية، وكذلك الخوف من العقاب بعد الموت. جراء فقدان هذا الإيمان، أصبح من المعقول حينها أن لا يهتم المرء بالأخلاق، إنما عليه فقط أن يلتزم بالقانون في مجتمعه، وبخلاف ذلك، يفعل ما يحلو له. بل يمكنه أيضًا أن يفعل ما يشاء إذا كان بإمكانه التحايل على القانون. نتج عن أثر هذه الأفكار في المجتمع أن أصبحت مسألة الخير والشر، العدالة، المدينة الفاضلة أو الدولة المثلى، هي المسألة الأكثر أهميّة في ذلك الحين بالنسبة إلى الفلاسفة والمفكرين.

تحليل أفلاطون لمسألة ومشكلة العدالة

اعتقد أفلاطون أن تعقيد مسألة العدالة ينشأ من عدم بساطة الناس، فإن كان الناس بسطاء كانوا سيحيون حياة بسيطة، يأكلون فيها ما يزرعون، ويلبسون فيها ما ينسجون، يتزاوجوا ويربّوا أبنائهم في هدوء وسلام. لكن الإنسان بطبيعته شره، يحب اقتناء الأشياء، ويطمح إلى اقتناء المزيد، ولذلك ينشأ بين الناس الشعور بالغيرة والتنافس، وبالتالي تعتدي الجماعات على بعضها بعضًا طمعًا في اكتساب الثروات والغنائم. نتيجة لذلك تقوم الحروب بين المجتمعات، وفي نهايتها تنتصر أمة أو جماعة على الجماعة الأخرى، فتصبح إحدى الجماعتين غنية والأخرى فقيرة.

يتبع ذلك نموًّا في التجارة والمعاملات المالية بين الناس، وهو ما يؤدّي إلى تكوّن طبقات جديدة في المجتمع؛ طبقة تحوز المال، وأخرى تمتلك الأراضي، وطبقة الفقراء. وبغض النّظر عن الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك؛ تسعى كل طبقة منهم في امتلاك السّلطة وتولّي المناصب. وعندما تنجح طبقة الأغنياء في الوصول إلى السلطة، فإنها ما تلبث تستقر حتّى تنهار، بسبب حرصهم وتهافتهم على زيادة ثرواتهم. كذلك عندما تنجح طبقة ملّاك الأراضي في تقلد الحكم وإقامة الدولة الأرستقراطية أو دولة الطبقات، فإنها تنحل وتنهار أيضًا، بسبب حصرها للسلطة، وقصرها على فئة معيّنة. وعادةً، يحدث انهيار كلا الطبقتين وعزلهم عن السلطة عن طريق ثورة طبقة الفقراء عليهما. لكن حتّى عندما تنجح الثورة، وتتاح السّلطة لجميع أفراد الشعب وتتكوّن الدولة الديموقراطية، فإنها تنهار كذلك، بسبب عدم قدرة الشعب على اختيار الممثل الأجدر والأنسب. فالشعب يحب الحلول السريعة والملاطفة، وبالتالي يختار الممثل الأكثر مداهنة، لا الأكثر استحقاقًا. لذلك لا يمكن أن تنهض الدولة بالاعتماد على أيًّ من الطبقات السابقة.

صفات مدينة أفلاطون الفاضلة

إن مدينة أفلاطون الفاضلة هي كل مدينة يتحقق فيها مفهوم أفلاطون عن العدالة. بخلاف السوفسطائيين، لا يعتقد أفلاطون أن العدالة هي إرادة القوّة أو القوّة في حد ذاتها، بحيث يكون الإنسان الفاضل هو الإنسان الأقوى، ليس بدنيًّا بالضرورة، إنما الأقوى بمعنى الأقدر.

كذلك لا يعتقد أفلاطون أن العدالة هي المساواة بين الناس على تفاوتهم واختلاف قدراتهم، فالناس لا يولدون ولهم المصائر نفسها، ولا يتعرّضون إلى الظروف ذاتها.

يعتقد أفلاطون أن العدالة هي تملّك المرء لما يملك، وأن يفعل ما يقدر، بحيث لا يجازى المرء إلا بما يساوي مقدار عمله، ولا يفعل إلا ما يقدر على فعله. بذلك، تؤدّي العدالة بالنسبة حسب مفهوم أفلاطون لها إلى اتساق الفرد مع ذاته، وتناغم الأفراد مع بعضهم بعضًا في المجتمع. أمّا إن لم يتحقق ذلك، وحادَ المرء عن السلوك والطبيعة التي تتناسب مع قدراته وطبيعته، فإنه قد يحقق بعض المكاسب، لكن هذه المكاسب لن تدوم، إنما ستلاحقه الشرور دومًا طالما يفعل ما لا يقدر، أو يملك ما لا يستحق. ذلك لأن الشرور تنتج عن عدم انسجام المرء مع الطبيعة، أو مع ذاته، أو مع مجتمعه.

كيفية إقامة مدينة أفلاطون الفاضلة

قدَّم أفلاطون حلّه الأمثل لإقامة المدينة الفاضلة في قالب عملي لإعداد وصنع الحاكم الفيلسوف، والشعب المعتدل من خلال اتباع عدّة خطوات ومراحل محددة.

في المرحلة الأولى، يتم جمع كل الأطفال الذين أتمّوا عقدهم الأوّل من الزمن (عشر سنوات)، بدون تفريق بين ذكورٍ وإناث أو أبناء لآباء أغنياء أو فقراء، ثم يتم عزل هؤلاء الأطفال في مساكن جماعية وإبعادهم عن التأثيرات السلبية والتعاليم المجتمعية المغلوطة، ثم تمهَّد لهم العلوم والرياضيات بسبل بسيطة، لطيفة، وبدون إرغام أو إجبار، وكذلك يتعلّمون ممارسة الرياضة البدنية والموسيقى. ويتسمر تعليمهم على هذا النحو لمدّة ستة أعوام.

بعد أن يتم الأطفال عامهم السادس عشر، تبدأ المرحلة الثانية بإيقاف تعليمهم الموسيقى، لكن مع الحفاظ على استمرار التعاليم الأخرى وممارسة الرياضة وأداء الأغاني والأناشيد، بحيث لا تستمر ممارستهم للرياضة البدنية والغناء مدى الحياة. بعد ذلك، يتم حث الأطفال على زيادة التعاون والوحدة، والحد من الذاتية والأنانية والغيرة، وذلك عن طريق تعليمهم الإيمان وإقناعهم بالحياة الآخرة التي يتلقّى فيها أصحاب الخيرات الجزاء، وأصحاب الشرور العقاب. بالإضافة إلى تلقينهم وتعليمهم مقاربة المعادن، أي أن الناس يخلقون مثل المعادن، فمنهم النفيس كالذهب والفضة، ومنهم الخسيس كالبرونز والرصاص، وأن هذا الاختلاف لا يعني أن بعض الناس أقل شأنًا من بعض، إنما يعني أن بعض هم أقدر على أداء مهام لا يقدر عليها آخرون، لذلك، على المرء أن يتقبّل دوره في الحياة والمجتمع كعنصر مساهم بما يقدر أن يفعل.

تبدأ المرحلة التالية عند إتمام الأطفال، أو الشباب في هذه السن، عقدهم الثاني (20 سنة). حينها، تبدأ المرحلة باختبار عملي ونظري لجميع الشباب بغرض فحص ما تعلموه وفهموه في المراحل السابقة، والأهم، فرزهم وتصفيتهم.

إذ يكمل الناجحون مسيرتهم التأهيلية لإعداد الحاكم الفيلسوف من بينهم. في حين يوجّه كل شاب لم يستوفي معايير النجاح في الاختبار إلى العمل كمزارع أو عامل أو كاتب، وما إلى ذلك من الوظائف المشابهة.

يستمر تعليم الناجحين لمدة عقد إضافي، عند ذلك الحين (بلوغهم 30 سنة)، يُجرى اختبار آخر للفرز والتصفية، بحيث يتقلّد الشباب الذين لم ينجحوا في الاختبار مناصب أعلى من الذين لم ينجحوا في الاختبار الأول، كأن يعملوا كضباط في الجيش، أو كاستشاريين. أما الناجحين، يبدأون بتعلّم الفلسفة الأولى (الميتافيزيقا)، ومبدأ المُثُل، والقوانين المجرّدة الحاكمة للكون والعاملة فيه، باعتباره كونًا هندسيًّا. تستمر هذه المرحلة التعليمية خمسة سنوات، بعد ذلك، يتم إجراء الاختبار الأخير، وهو بداية الانخراط في المجتمع، بحيث يسعى كل شاب منهم إلى تحقيق أسمى الخيرات والمكاسب، ساعيًا لكسب قوته وتحقيق مكانة اجتماعية لنفسه، وبعد 15 عام، سيكون هؤلاء الشباب قد أتمّوا عامهم الخمسين، وتمكّن كلًّا منهم من تحقيق مكانة معيّنة لذاته. ولأنهم كانوا قد تخطّوا اختبارات سابقة، فإن أحدهم سيكون هو الأكثر جدارة واستحقاقًا لتولّي الحكم، وهو الذي سيصل إلى الحكم بشكل تلقائي، لا انتقائي. بالتالي، بمرور الزمن وتجدد الأجيال وتكرار المراحل السابقة، تعم المدينة بالسكّان القنوعين، الذي يؤدّي كلّا منهم دوره الذي يقدر عليه، محققًا التناغم والاتساق مع ذاته، مجتمعه، والطبيعة من حوله.

228 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018