اذهب إلى: تصفح، ابحث

مدينة الألف مئذنة

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 25 / 02 / 2019

مدينة الألف مئذنة

مدينة الألف مئذنة

مدينة الألف مئذنة هو اللقب الذي اُختصت به مدينة القاهرة القديمة لكثرة المآذن بها، وخاصة في عهد الدولة الفاطمية. تعتبر القاهرة واحدة من أقدم المدن التي شهدت الحضارة الإسلامية، والتي عاصرت، ومر عليها حضارات كثيرة، بدءًا من الحضارة الفرعونية حتى الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص.

عرف الفراعنة قدر القاهرة منذ القدم في حقب زمنية مختلفة، وأهمية بعض المناطق المميزة القديمة الممثلة في أحياء مدينة القاهرة الآن. فقد اختار الفراعنة مدينة أون (حي عين شمس والمطرية حاليًا) كعاصمة دينية لهم، قبل عهد الأسرات.

وبنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط بعد الفتح مباشرة، تبعه في ذلك الدولة العباسية ببناء مدينة العسكر، ثم أحمد بن طولون في بناء مدينة القطائع.

قصة فتح مدينة الألف مئذنة

كانت مصر في ظل حكم الرومان حينما قرر عمرو بن العاص فتحها، وإدخالها في الحكم الإسلامي وسيادة المسلمين. عرف الإسلام والمسلمون قدر القاهرة في وقت مبكر للغاية من نشأة الدولة الإسلامية، فقال عنها عمرو بن العاص حاثًا على فتحها: "فتح مصر، تعدل الخلافة". وكان فتحها خيرًا عظيمًا على أهل مصر، والإسلام، والمسلمين كافةً.

كان عمرو قادمًا بجيشه المكون من أربعة آلاف جندي من الشام قاصدًا مصر، حاثًا الخطى نحو فتحها. أرسل رسالة إلى عمر بن الخطاب خليفة المسلمين – حينذاك – يستأذنه في فتح مصر. كانت رؤية عمرو العسكرية – بعد السيطرة على الشام وانتزاع بيت المقدس من الروم – هو تأمين الجانب الغربي الذي يمثل تهديدًا حقيقيًا على دولة الإسلام في الشام والحجاز. بالإضافة إلى الخير الكثير الذي سيعم على الدولة الإسلامية بفتح مصر.

فانطلق بجيش قوامه أربعة آلاف جندي قاصدًا مصر من شرقها، فخشي عمر بن الخطاب أن يهلك الجيش، واستصغر عدده في فتح دولة تحكمها الدولة البيزنطية مثل مصر. فأرسل رسالة إلى عمرو بن العاص، وأبلغ حامل الرسالة أنه إذا أدرك عمرو قبل دخول مصر، فليأمره بالرجوع بالجيش. وإن أدركه بعد دخول مصر، فليكمل على بركة الله.

أدرك عمرو بن العاص بفطنته أو بمخابراته مقصد رسول أمير المؤمنين، فأخذ يؤخر مقابلته لأسباب عدة حتى دخل العريش، فأشهد جيشه عن مكانه، فشهدوا أنه في العريش (أي داخل مصر) فاستدعى رسول الخليفة، وقرأ رسالته، وأقرأها على الجيش، وتم له ما أراد من المضي قُدمًا في فتح مصر.

اجتاز عمرو بن العاص بجيشه العريش، ثم الفرما (بورسعيد حاليًا)، ثم توجه إلى بلبيس، ومنها إلى حصن بابليون. لم يجد عمرو أي قوات بيزنطية في طريقه حينما دخل مصر في العريش. فقد حرص المقوقس حاكم مصر على إخلاء العريش له خوفًا منه أن يستمد عمرو من الشام. استمرت مسيرة الجيش الإسلامي حتى حصون الفرما، فحاصرها شهرًا أو قيل شهرين قبل أن تسقط في أيديهم. ثم انتقل بعدها إلى بلبيس فاحتاجت منه شهرًا آخر قبل أن تسقط أيضًا في أيديهم.

يُرجح أن أسباب عدم مواجهة المقوقس لجيش المسلمين في العريش هو خشيته أن يتصدى له في صحراء العريش بالقرب من الشام. فخشي أن يتصدي له في الصحراء لأن العرب أكثر خبرة بحروب الصحراء من الجنود البيزنطيين.

بالإضافة إلى قرب عمرو من الشام وبيت المقدس تحديدًا، فسيسهل عليه حينذاك أن يطلب المدد من الشام، وسيصله سريعًا. ففضل المقوقس أن يبعد عمرو عن المدد، ويرهقه في حصار الحصن حتى ينصرف، أو يجد ثغرة ينفذ منها إليه. كذلك عدم اطمئنانه لولاء المصريين للدولة البيزنطية، فقد يستغلوا دخول المسلمين ويثوروا عليهم، أو يساعدوا المسلمين على هزيمتهم. خشي أن يدفع ثمن سوء معاملة الاحتلال البيزنطي لمصر خلال السنوات الماضية كلها في تلك اللحظات. وكانت نظرته صحيحة إلى حد كبير، فقد ساعد الكثير من المصريين جيش عمرو بن العاص في كثير من المواطن، سواء من أسلم من المصريين، أو من لم يسلم. حتى الكنائس وأساقفها ساندوا عمرو طمعًا في الخلاص من الاحتلال الروماني الذي أذاقهم الويلات، بسبب الاختلاف العقدي.

أما أكثر ما كان يخشاه المقوقس، فهو الدخول في معركة مباشرة مع المسلمين، لا يعلم نتائجها أو عواقبها، فهو يحارب جيشًا يتميز بالكفاءة القتالية المرتفعة، والاستبسال الشديد المبني على معتقد ديني بأن من يموت في الحرب يظفر بالشهادة والخلود في جنة الله، بالإضافة إلى علمه بإقدام العرب وشجاعتهم الاستثنائية في ميادين القتال، خاصة وأنهم خارجون من فورهم من انتصارات متتالية في بلاد الشام على نفس العدوـ هذا فضلا عن انتصاراتهم في الفرما وبلبيس وما حولهما.

وعلى الرغم من هذا القرار، فقد ندم أشد الندم حينما رأى تقدم المسلمين في انتصاراتهم، وخاصة بعد فتح أم دنين على الرغم من حصانتها، والتي كانت تطل على النيل، وكان فيه الكثير من سفن الروم، التي خشي المقوقس أن تذهب إلى المسلمين، فاستولى عليها المسلمين. بالإضافة إلى حنكة عمرو بن العاص العسكرية التي جعلته يقضي على توتر وإحباط جيشه بسبب طول الحصار، وبطء النصر، وتأخر المدد، من خلال تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء، والدخول في معارك بسيطة يخرج منها منتصرًا ليرفع من روحه المعنوية حتى يصل المدد. تزامن كل هذا مع بشارة وصول المدد. ليس وصوله فحسب، وإنما وصوله وعلى رأسه عمالقة الصحابة مثل الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. كل رجل فيهم بألف رجل. فاستبشر المسلمون خيرًا بمقدمهم، وارتفع يقينهم في نصر الله.

حصار حصن بابليون

حصن بابليون هو أقوى حصون مصر الرومانية على الإطلاق. حاصر عمرو الحصن سبعة شهور، وبين كر وفر، وتفاوض على الاستسلام وقتال، واستبسال من الحامية الرومانية في الدفاع عن الحصن، وفدائية المسلمين في فتح الحصن، سقط حصن بابليون في يد المسلمين، وأعطى عمرو بن العاص الأمان لمن لم يقاتل من الجند، وفرض عليهم الجزية. بعد سقوط حصن بابليون، أصبح الطريق ممهدًا لعمرو بن العاص للذهاب إلى الإسكندرية، وإتمام فتح مصر، ونشر الإسلام بها.

أول مسجد

فور أن فتحها قام عمرو بن العاص ببناء أول مسجد في قارة أفريقيا كلها، وهو مسجد عمرو بن العاص، الذي مازال قائمًا حتى يومنا هذا، ثم قام ببناء مدينة الفسطاط شمال حصن بابليون، كمدينة وسطية مركزية في إدارة البلاد، وقريبة من الجزيرة العربية في نفس الوقت.

أما أول مئذنة في الإسلام فكانت مئذنة العروس في المسجد الأموي في دمشق، ومنه عرف العالم المئذنة الإسلامية وإن اختلفت في شكلها وعمارتها حسب البلد والعصر والثقافة الغالبة.

مدينة الألف مئذنة الأخرى

يُقال كذلك أن مدينة اسطنبول العريقة هي مدينة الألف مئذنة لأنها تحوي العديد من المآذن، المختلفة في عمارتها. فقد كانت اسطنبول أرضًا للخلافة الإسلامية لقرون عديدة، وتم العناية بها بشكل كبير فترة من الزمن، وخاصة فيما يتعلق ببناء المساجد. فتم بناء أكثر من 500 مسجد بها، ويظهر في أفقها أكثر من 1000 مئذنة.

أما تفرد القاهرة وشهرتها بلقب مدينة الألف مئذنة إنما يرجع إلى عراقتها تاريخيًا، وإسلاميًا، وكون تلك المساجد والمآذن بُنِيَت في عصور الإسلام الأولى، وخاصة في ظل الدولة الفاطمية بوجود جوهر الصقلي الفاطمي في مصر.

281 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018