اذهب إلى: تصفح، ابحث

مدينة البندقية

التاريخ آخر تحديث  2019-03-23 10:55:18
الكاتب

مدينة البندقية

مدينة البندقية

البندقية هي مدينة تقعُ في شمال شرق إيطاليا وتشتهرُ بكثرة التنقّل فيها على الزوارق المائية. وتقعُ المدينة مُمتدَّة فوقَ 118 جزيرة صغيرة قبالة شواطئ البحر الأدرياتيكي، وتفضلُ بين هذه الجزر قنواتٌ مائية يصلُ بينها أكثر من أربعمائة جسر. وتقعُ مدينة البندقية بكاملها على دلتا تفصلُ بين نهرين يَصبُّان في البحر الأدرياتيكي (وهو جزء فرعي من البحر الأبيض المتوسط)، وتشتهرُ المدينة بطرازها المعماري الفريد والأعمال الفنية المنتشرة فيها. ويُصنَّفُ خليجُ المدينة وبعضُ أجزائها كموقع للتراث العالمي بحسب منظمة اليونسكو العالمية. وقد صُنِّفَت كأجمل مدينة في العالم لسنة 2016.

سُكِنَ موقع المدينة للمرة الأولى في نحو عام ألفٍ قبل الميلاد، وقد كانت المدينة تاريخياً عاصمةً لجمهورية البندقية، وهي واحدةٌ من أغنى دول أوروبا خلال العصور الوسطى. وقد كانت البندقية مركزاً للقوة البحرية والاقتصادية في عصر النهضة، وكانت موقعاً للتجمُّع للحملات الصليبية المتهجة نحوَ العالم الإسلامي في تلك الفترة، وكذلك الموقعَ الذي انطلقت منهُ الأساطيل البحرية التي دحرت الدولة العثمانية في معركة ليبانت

وقد أصبحت البندقية ملتقى لتجارة التوابل والحبوب والحرير، وكذلك اشتهرت بالفنّ منذ القرن الثالث عشر الميلادي وحتى القرن السابع عشر. وقد كانت البندقية واحدةً من أولى المراكز العالمية للمال، حيثُ بدأت صعودها الاقتصادي منذ القرن التاسع تقريباً، ولهذا السَّبب فقد حافظت على ثروتها على مرِّ معظم التاريخ الحديث. وتشتهرُ البندقية لعِدَّة حركات فنية أهمُّها حركة عصر النهضة. وبعد الحروب النابليونية أُلْحِقَت جمهورية البندقية بالإمبراطورية النمساوية، ومن ثمَّ انتقلت إلى سلطة المملكة الإيطالية التي انبثقت عنها إيطاليا الحديثة.

إلا أنَّ المدينة تواجهُ في السنين الأخيرة عدداً من التحدّيات الكبيرة، مثل نقص المال والتعرية المائية والتلوث وغرقِ أجزاءٍ منها تحتَ مستوى سطح البحر المتزايد عالمياً، فضلاً عن ارتفاع أعداد السُيَّاح بدرجةٍ فائقة، وكذلك المشكلات التي يُسبّبها إبحار العبارات الضخمة جداً على مقربة شديدة من الطرقات التاريخية للمدينة.

الاقتصاد

العصور الوسطى

تغيَّر اقتصادُ مدينة البندقية على مرِّ التاريخ. ولا تتوفَّرُ الكثير من المعلومات حالياً عن مصادر الدخل القديمة للمدينة، ولكن من المحتمل أنَّ المتاجرة بالعبيد كانت مصدراً أساسياً لثرائها، حيثُ كان هؤلاء العبيد يقعُون في الأسر أثناء حملات عسكرية في وسط أوروبا، ومن ثمَّ يُبَاعُون إلى التجار المسلمين في شمال أفريقيا وبلاد الشام. وقد كانت للموقع الجغرافي للبندقية، الواقعة على مدخل البحر الأدرياتيكي وكذلك عندَ سفحِ أحد المعابر من خلال جبال الألب، أهمية كبيرة في جعلها وسيطاً بهذه التجارة بين العالم الأوروبي وعالم الشرق.

ارتفعت أهمية البندقية في التجارة والمال عالمياً مع مجيء عصر النهضة، إذ تحوَّلت المدينة إلى إمبراطورية تسيطرُ على مساحة بحرية هائلة ومدينة أوروبية فاحشة الثراء ورائدةٍ في العلاقات السياسية والاقتصادية حول أوروبا. وبدءاً من القرن الحادي عشر وحتى الخامس عشر للميلاد اكتسبت البندقية أهمية اقتصادية دينية، إذ أصبحت الموقع الذي ينطلقُ منه الحُجَّاج إلى الأرض المُقدَّسة في فلسطين، وكانَ لها دورٌ في الحملات الصليبية على بلاد الإسلام. وقد كانت الموانئ الإيطالية الأخرى على البحر المتوسط، مثل بيزا وجنوة وغيرها، قادرةً بالكاد على منافسة البندقية في موقعها المتميز وأهميتها للحُجَّاج المسيحيِّين.

الفترة الحديثة

ولكن هذه الأهمية الرائدة انتهت في القرن السابع عشر للميلاد، عندما تفوَّقت على إمبراطورية البندقية دولٌ أخرى صاعدةٌ في القارة الأوروبية، مثل البرتغال وإسبانيا، وبالتالي تضاءلت القيمةُ البحرية للبنادقة (أهل البندقية) وتحوَّل نشاطُها نحو الزراعة والصناعة. وقد كانت ترسانة البندقية أكبرَ مركزٍ صناعي في العالم بأسره خلال القرن الثامن عشر، ولا زال الجيشُ الإيطالي يستخدمُها اليوم لإنتاج مُعدَّاته.

وفي زمننا الحاضر تغيَّر اقتصادُ البندقية ليعتمد في معظمه على السياحة والخدمات كمصدرٍ للدخل، إضافةً إلى بناء السفن والتجارة وتصدير المُصنَّعات. ويعتمدُ الاقتصاد بقُوَّة كذلك على إنتاج الزّجاج ورباطات الأحذية في مدينة مورانو وبورانو القريبتين. ولكن المدينة بدأت بمواجهة مشكلاتٍ مالية في الفترة الأخيرة، ويعودُ ذلك لأسبابٍ مختلفة.

في نهاية عام 2016، واجهت مدينة البندقية عجزاً هائلاً في ميزانيتها وعانَت من ديونٍ متراكمةٍ تجاوزت قيمتها 400 مليون دولار أمريكي. وبحسب تقريرٍ لصحيفة الغارديان، فإنَّ المدينة "باتت مُفْلِسَة"، فالعديد من سكانها بدؤوا بالرحيل عن مركزها التاريخي بسبب الارتفاع المخيف في أسعار الإيجار والسَّكَن.

وبسبب رحيل السكان الأصليين للمدينة فثمة خطرٌ من أن تتحول لملجئٍ للسُيَّاح والزوار، ممَّا سيعني ارتفاعَ الأسعار إلى درجة الغلاء الشديد. وفي عام 2017 اضطُرَّت الحكومة الإيطالية لتقديم مساندةٍ مالية لاثنين من بنوك البندقية منعاً لإفلاسهما، وقد انتهت الأزمة بإغلاق البنكيك وإجبار الحكومة على تعويض زبائنهما عن سنداتهم غير المُسدَّدة. ومن المحتمل أن تزيدَ خسائرُ هذه الكارثة عن خمسة ملايين يورو.

النقل والمواصلات

بُنِيَت مدينة البندقية فوق أرخبيلٍ مُكوَّنٍ من 118 جزيرة شكَّلتها 177 قناة طبيعية تخترقُ شواطئ إيطاليا من البحر الأدرياتيكي. وقد شُيِّدَت على هذه القنوات 409 جسورٍ لتكون بمثابةٍ طرقات للتنقّل، ويعتمدُ سُكَّان هذه المدينة بصورةٍ شبه كاملة إما على القوارب أو على المشي للتنقّل عبرها، فهذا الجانبُ من الحياة في البندقية لم يطرأ عليه أيُّ تغيّر منذ مئات السنين. وقد افتُتِحَ قطارٌ يَصِلُ إلى مدخل المدينة قبل مائة عامٍ تقريباً، ولكنَّه لم يُغيِّر من وسائل النقل التقليدية في داخلها. ولهذا السبب فإنَّ البندقية هي أكبرُ مدينة خالية من السيارات في القارة الأوروبية. وتتميَّزُ هذه المدينة عالمياً بأنَّها صمدت في القرن الواحد والعشرين رُغْم حجمها الهائلِ دون حاجةٍ للسيارات ووسائل النقل البري الأخرى.

وتُسمَّى الزوارق التقليدية المسؤولة عن نقلِ الناس في مدينة البندقية الغندولا (زورقٌ طويل بمجاذيف)، وكانت في الماضي الوسيلة الطبعيية للتنقُّل بالمدينة، وأما الآن فهي تستخدمُ بصورة خاصَّة لترفيه السياح ولإجراء الجنازات والأعراس وغيرها من المناسبات الخاصة. وثمَّة في المدينة نحو 400 من زوارق الغندولا، وهو عددٌ ضئيلٌ جداً إذا ما قُورِنَ بنحو 10,000 زورقٍ مماثلٍ كانت تُبْحِرُ في قنوات البندقية قبل مائتي عام. وأما النقلُ العام الحديثُ فيعتمد في معظمه على الحافلات المائية، وهي زوارقُ ضخمةٌ تعملُ بمُحرّكات للوقود وتستطيعُ نقلَ أعدادٍ كبيرة من الناس بسرعة جيدة.

مرات القراءة 801 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018