اذهب إلى: تصفح، ابحث

مراحل تطور الكتابة

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 19 / 10 / 2018

مراحل تطور الكتابة

تُعدُّ الكتابة من أهم الإنجازات الحضرية الإنسانية، وفي مراحل متأخرة من التاريخ كانت المجتمعات تُقسَّم إلى قسمَين: "الذي يجيد الكتابة" و"الذي لا يجيدها"، ما يدل على وعي الإنسان المبكر بأهمية الكتابة فور توصُّله إليها، وهي رحلة التطوُّر التي خضعت للكثير من المراحل الزمنية والمشاقِّ حتى تتبلور وتصل إلى الشكل الذي نراه الآن.
فما مراحل تطوُّر الكتابة إذن؟

الكتابة نبعت من الكلام

المرحلة الأولى من مراحل تطوُّر الكتابة هي الكلام، فمُعظم الأنظمة الكتابية المعروفة لنا، كاللاتينية واليونانية والروسية والسامية، أُسِّست على مبدأٍ صوتي، وكانت محاولةً متأخرة من أُناسٍ خافوا على كلامهم وكيفية نطقه فقرَّروا تخليد كل شيءٍ على الحجر أو الرق أو الجلد بالكتابة عنه بكلِّ تفاصيله ليضمنوا أن يسير من يخلفهم على قواعدهم، وهو مبدأ يختلف قليلًا عن فلسفة الكتابة الصينية ذات القوة الحيوية؛ فهي كتابة بالمفهوم، إذ لا تنقسم إلى حروفٍ يمكن خلطها معًا لصنع مزيجٍ من كلمة يُراد التعبير عنها، بل هي عبارة عن آلاف الرموز ثابتة الشكل يُعبِّر كلٌّ منها عن معنًى واضح برسمٍ لا يتغير مثل: "طفل" و"شجرة" وغيرها.
وهي ليست أكثر محاولات البشر للتدوين غرابة، بل يوجد ما هو أكثر منها تعقيدًا في محاولاتٍ بدائية قامت بها شعوب أمريكا الشمالية قبل اكتشاف كولومبس لها، وهو ما يمكن اعتباره جهود سابقة على مفهوم الكتابة ذاته، فلم تكُن هذه المحاولات حروفًا، بل اعتمدت على الرسم؛ فكلُّ فردٍ يحاول أن يرسم فكرة العبارة التي يودُّ قولها لزميله ويُعبِّر عنها برسمةٍ واحدة، وهو ما أسماه الباحثون "الكتابة بالعبارة".
ويروي هيرودوت مضمون رسالة كُتِبت على هذه الشاكلة من إحدى القبائل البربرية إلى داريوس ملك الفرس قبل خوض قتالٍ معهم، اشتملت على رسم عصفورٍ وفأر وضفدعة وخمسة سهام، وفُسِّر مضمونها على أنها "أيها الفرس، إن لم تتواروا في السماء كالعصافير، أو تختبئوا في الجحور كالفئران، أو تقفزوا في الماء كالضفدع، فستغدون هدفًا لسهامنا".
وبمُرور الوقت تطورت الكتابة بالكلمة من الكتابة الصورية الرمزية أو الكتابة بالعبارة، ومن الكتابة بالكلمة برزت الكتابة المقطعية، وبعد أن ميَّز الإنسان بين أصوات كل حرفٍ على حدة، نشأت الكتابة بالحروف.

كتابات الشرق

باعتبارها جزءًا وثيقًا من الثقافة، ارتبطت مراحل تطوُّر الكتابة دائمًا بالتطوُّر الثقافي للإنسان، لذا لم يكن غريبًا أن أول مراحل ظهورها بشكلٍ منتظم كانت بين جنبات حضارات الشرق العظمى في مصر والعراق؛ فقد قدَّمت الحضارتان أنضج محاولتَين للكتابة في التاريخ، وهما الكتابة المسمارية، والكتابة الهيروغليفية المصرية.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن أوروبا لم تتمكَّن من مجاراة أهل الشرق في هذا المضمار، فلم تبتكر أبدًا "كتاباتٍ أولى"، بل عالجت كتاباتٍ ثانية تأسست على المفاهيم الواردة لها من الشرق.
الأفضلية التاريخية تنحاز إلى المسمارية باعتبارها الأقدم بالرغم من رموزها المتقاطعة عسيرة الفهم، لكن الكتابة المصرية بما حوته من رسومٍ وصور زاهية واضحة ومفهومة بدت أكثر قربًا إلى الإنسان المعاصر.

الكتابة المصرية

إن أساليب الكتابة التي استخدمها المصريون لا تزال تشبه أساليبنا حتى الآن، فهم أول من صنعوا من سيقان نبات البردي ورقًا، أما أداة الكتابة فكانت عودًا من القصب المغموس في الحبر الأسود أو الأحمر.
يبلغ عدد رموزها 500 رمز، بدأت كأحد أشكال الكتابة التصويرية التي تُعبِّر عن الكلمة بمظهرها الصوري، وبفعل الاستعمال اليومي في المؤلفات، ابتعدت الأشكال والرموز عن الأصل التماسًا للسرعة في التدوين، وبالتدريج فقدت الصور الهيروغليفية طابعها الصوري الأصلي واقتربت بشكلٍ ما من ملامح الكتابة بالحروف، وبمُرور الوقت ظهرت أشكال أيسر منها كـ"الديموطيقية" و"الهيراطيقية".
وكان السائد أن تُكتَب في اتجاهٍ أفقي من اليمين إلى اليسار، أو في اتجاهٍ عمودي من الأعلى للأسفل، ولم تكن مرادفاتها تسمح بالتعبير عن الأحداث بدقة أو الأفعال بمعنًى أدق؛ ففي إحدى اللوحات بدلًا من أن تُعبِّر عن عبارة (الإله + يدمر + مدينة البوم) اكتفت بالتعبير عنها برمزٍ واحد.
أهمل الفراعنة استخدام الصوائت (التشكيل) في كلماتهم بشكلٍ كبير، حتى بدأوا يتعرفون في المراحل الأخيرة للمرحلة الفرعونية على الكتابات اليونانية والرومانية، التي بدت للمصريين أكثر سهولةً من لغتهم المعقدة؛ فبدأوا يأخذون منها ويُعدِّلون في أبجديتها تدريجيًّا، إلى أن تخلَّوا عن لغتهم بالكلية بعد انتشار المسيحية في البلاد، وأصبحت اللغة القبطية التي تستعمل اليونانية هي اللغة المعبرة عن لسان المصريين.

الكتابة المسمارية

في جنوب بلاد الرافدين وما بين دجلة والفرات، نشأت حضارة رفيعة تُعدُّ إحدى أقدم تجمعات الثقافة الإنسانية قاطبة، ولقد عُرِف نوع الكتابة التي استحدثته بالمسمارية لأنَّ خطها يُشبه المسامير في شكله الخارجي، وهي تختلف بشكلها وطريقة كتابتها عن فِعل المصريين في كل شيءٍ تقريبًا.
وبدلًا من أوراق البردي استُخدِمت الألواح الطينية التي تُعرف بـ"الرُّقم"، وكانت الرموز المسمارية تُرسَم عليها بواسطة أداةٍ خشبية ثم تُشوى بالنار حتى تجفَّ وتصلب، وأحيانًا كان يُكتَب عليها بقلمٍ ذي رأسٍ مثلث الشكل دقيق المقدمة يُضغَط به بشكلٍ خفيف وبزاويةٍ معينة على اللوح، فيكتب في اللوح نقوشًا سرعان ما تجف وتُصبح كلماتٍ يقرأها الجميع.
وتُوضِّح الألواح المُكتشَفة الأشواط التي قطعتها الكتابة المسمارية في رحلتها إلى التطور، وليست هذه المراحل سوى تجربةٍ عامة مارستها الحضارات القديمة ولا تزال.
كانت معظم الأشكال في المراحل الأولى من الكتابة عبارةً عن سلسلةٍ من الصور المترابطة كان الغرض منها سرد قصةٍ من القصص لتبقى كرسالةٍ أو كسجلٍّ من المعلومات ومرجعًا للاستخدام في المستقبل.
ثم كانت المرحلة التالية في تخفيض عدد الصور والعمل على تجديد الأسلوب لتأمين سرعة رسم الصور والأشكال بسرعةٍ وبأقل عددٍ ممكن من الخطوط، وبعدها تشجَّع السومريون على اتباع الخطوة الثانية التي فرضتها عليهم طبيعة وسائلهم الكتابية.
الأشكال الأولى للكتابة ابتدعها السومريون، أقدم من عاشوا بين النهرَين، ومن بعدهم انتقلت الثقافة إلى البابليين الذين قاموا بعملية تطويرٍ وترقية لشكلها حتى وصلت إلى صورتها الحالية وما هي عليه الآن.
لم تكن التدوينات المبكرة للمسمارية مهتمةً بالحوادث التاريخية كما فعل المصريون، بل عنت بتثبيت معلوماتٍ اقتصادية ونصوص قوانين الدولة، وكانت تُكتَب من الأعلى إلى الأسفل أو من اليسار إلى اليمين، ويُقدِّر الباحثون عدد رموزهاالأولية بألفَي رمز، وأصبحت 350 رمزًا فقط في آخر مراحل تطوُّر الكتابة المسمارية، التي انتشر استعمالها بين شعوب دول غرب آسيا أيضًا، ما يدل على أنها كانت أكثر سهولةً من لغاتهم وقواعدها أكثر مرونةً ممَّا كانوا يستخدمونه.

الكتابة الفينيقة وظهور الحروف الأبجدية

معظم الحروف الأبجدية التي كُتِب لها البقاء إلى الآن عبارة عن مزيجٍ من رموزٍ مُستوحاة من مصادر متنوعة، وإن كان العلماء قد اختلفوا في أول من استخدمها وكيف فعل، ولكن أصح الآراء تؤكد أن الإغريق اكتسبوا فنَّ الحروف من أسلافهم الفينيقيين، الذين تؤكد المخطوطات أنهم كان لهم نظام كتابي قبل ألفَي عامٍ من ميلاد المسيح.
اشتهر الفينيقيون بالتجارة والاستعمار، وتمركزوا على طول الساحل السوري بادئ الأمر، ثم في مدينتَي صيدا وصور المتجاورتَين، ثم اتجه الفينيقيون بعد ذلك، ولمدةٍ تزيد على 400 سنةٍ منذ القرن العاشر، نحو تأسيس مستوطناتهم باتجاه غرب منطقة البحر الأبيض المتوسط وعلى سواحل شمال إفريقيا وفي جنوب إسبانيا وصقلية وسردينيا وقبرص وفي أواسط إيطاليا واليونان.
ومن خلال هذا الانفتاح الواسع، صاغ الفينيقيون أبجديتهم بالاعتماد على مصادر مختلفة؛ إذ تضمَّنت المسمارية والهيروغليفية المصرية، بالإضافة إلى أشكالٍ أخرى من الكتابة استمدُّوها من شمال مستوطناتهم وشرقها، واعتمدوا فيها على نظامٍ أبجدي فعَّال، وهو على عكس الطريقة المصرية، فهو لا يتطلب زخرفةً مُستوحاة من شكلٍ أو هيئة، بل خصَّص رمزًا واحدًا لكلِّ صوتٍ من الأصوات، وكانت الرموز واضحةً وسهلة الكتابة، ولا ترتبط الحروف بأية علاقةٍ ظاهرية مع الصور.

410 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018