اذهب إلى: تصفح، ابحث

مقال عن حب الوطن

التاريخ آخر تحديث  2019-02-27 15:36:01
الكاتب

مقال عن حب الوطن

تعريف الوطن

الوطن كلمة أصيلة في لغتنا العربية، تعني مكان إقامة الإنسان ومقره، إليه انتماؤه، سواء وُلد به أو لم يولد، جمعه أوطان، وفي المجمع المعاني الكامل، يُعرف بأنه الأم، والمولد الأصلي وموضع الولادة، ووطّن فلانًا توطينًا، بمعنى أسكنه، أي أنزله سكنًا يقيم فيه.

حب الوطن

يولد الإنسان وفي فطرته حب لبيئته التي ولد بها، وناسه الذين عاشوا معه حياته، ما مر منها من حلو ومر، فصارت ذكرياته معهم قطعة مهمة من تكوينه النفسي والفكري، حتى أضحى يزود عن وطنه ضد كل متآمر أو طامع، داخلي أو خارجي.

وما من حرب قامت إلا وسببها حب الوطن، فيخرج الكبير والصغير، دون تحريض من قادة أو أهل للدفاع عن بلدهم، ممنيين النفس بالنصر المبين، فتاريخ العرب كله يدل على ذلك، القبيلة تدافع عن نفسها ضد اعتداء مثيلتها، والأمة تزود عن مداخلها ومخارجها، حتى الأديان ونزول الرسل، إلى جانب كونها هداية للبشرية، فهي تعني في الأساس بالخروج من أمة هذا النبي أو ذاك من براثن الجهل والتخلف، خوفا عليهم من مصير الآخرة الذي ينتظرهم من قِبل المولى عز وجل.

الغريب في أمر الوطن أن حبه لا يشترط بعطائه، فالكثير ممن استشهدوا في سبيله، قد لا يكونون جنوا من ثماره شيئًا، ولو حتى القليل؛ لكنهم يعلمون أن ذلك سيعود عليهم بالنفع لكن في صورة مغايرة، عن طريق أقاربهم وذويهم، فكل رجل يأمل في تأمين مستقبل أفضل لأولاده، حتى لو لم ينل منه شيئًا، وذلك لن يتحقق إلا بحب خالص للأوطان، فمنه يأتي الأمل والبناء، وهو ما يسعي إليه كل محب وعاشق لوطنه. فالحب رغم تفرعاته الكثيرة وتعبيراته المتشعبة، يأتي حب الوطن على رأس قائمته، مهما علا شأن حب الأسرة والأهل والزوجة والأولاد، فمنه يأتي الخير لكل هؤلاء، ولو بصورة متأخرة، ولو استشهد أهله في سبيله.

الوطن والإيمان لا يتنازعان

قد يظن ظان أن حب الوطن ينازعه الإيمان في الأفضلية؛ لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا، وهل هناك مثالًا أدق بيانًا على ذلك أكثر مما قوله نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لحظة الموقف العصيب الذي مر خلال هجرته من مكة إلى يثرب واصفًا وطنه الأغلى مكة: «إنك أحب بلاد الله إليّ، وأكرمه على الله، ولولا أن اهلك أخرجوني منكِ ما خرجت»، ضاربًا بذلك المثل الأعلى كونه قدوة البشر أجمعين في حب الوطن، مهما عانينا منه ومن أتباعنا فيه.

جميع الأنبياء تمسكوا باوطانهم، فسيدنا نوح ـ عليه السلام ــ ظل يدعو قومه رغم المعاناة، وموسى كذلك، رغم مكابدته بطش فرعون وأتباعه، كذلك المسيح بن مريم عليه السلام.

مؤسسة الأزهر العريقة، والصرح الإسلامي الأشهر في العالم أجمع، لم يدَع علماؤه أي فرصة إلا وعبروا فيها عن أهمية حب الوطن، وارتباطه الوثيق بالإيمان، وهو ما أكده الشيخ محمود عاشور، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في إحدى لقاءاته التليفزيونية: «حب الوطن أمر حثت عليه الشريعة الإسلامية، لأن إخلاص الإنسان جزء لا يتجزأ، فحب المسلم لوطنه أمر مفروغ منه وهو مطالب بترجمة هذا الحب إلى الالتزام بحقوق وطنه عليه، فلا بد أن يعمل على دعم وتقوية وطنه، والمساهمة في كل الجهود الرامية لرفعته، لأن الأوطان عندما تنهض، فبالتالي تنهض معها كل قيم وتعاليم الشريعة الإسلامية، ولعل أبرز دليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، فالوطنية الحقة في الإسلام تعني محبة الفرد لوطنه وبلده، وقيامه بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام ووفاؤه بها، وتقوية الرابطة بين أبناء الوطن الواحد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وكونوا عباد الله إخوانًا)».

يقول الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء: «الشريعة الإسلامية عندما رسخت مفهوم المواطنة، وأكدته، كانت إشارة واضحة لأهمية المواطنة كمبدأ من المبادئ التي رسخ لها الإسلام، بل ودعا إليها للتعايش بين الناس، وغرس قيم المحبة والود فيما بينهم، ولهذا فإن الوطنية لا تضاد بينها وبين التدين كما قد يتخيل المتشددون، فالوفاء للوطن هو في حد ذاته وفاء للدين وللشريعة، ولهذا فعلى كل مسلم أن يسعى لترسيخ حب الوطن في نفسه وفي نفس كل المحيطين به في كل مكان ولا بد أن يتبنى بناء الوطن وعمرانه وحمايته كتعبير وتجسيد حي عن حب وطنه، فلا بد على اعتبار أنها من مقتضيات الاستخلاف في الأرض وإعمارها، حيث يقول الله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، وهكذا فعلى كل مسلم أن يعي جيدًا تفسير مفهوم الاستخلاف ويترجمه لأفعال في وطنه، فهو مطالب بالبناء على قدر ما حباه الله من سعة وقدرة وعلم».

حب الوطن في الشعر والغناء

ما من شاعر إلا ونظم قصادئدًا في حب وطنه، تعيش إلى الآن ويذكرها الشباب من كل الأجيال رغم وفاة كتابها، فمن المتنبي، في العصر العباسي وغيره من شعراء تلك المرحلة، مرورًا بالمراحل التالية، التي شهدت تطورًا أكثر حداثة، كما في شعر محمود درويش عن فلسطين، ونزار قباني عن الأمة العربية ككل، وأمل دنقل عن مصر.

الشعر في حب الوطن لم يقتصر على شعراء الفصحى فقط، لكن شعراء العامية أيضًا، ولعل إسهامات بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وأحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، خير دليل على هذا.

ما كتبه الشعراء عن حب الوطن، كان مادة خصبة للفن الغنائي، حين استدعى كبار المطربين تلك الأشعار، الفصيح منها والعامي، لتكون أغنيات ذائعة الصيت فيما بعد، كما فعلت أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، ومحمد عبده، وغيرهم من مطربي الشباب في العصر الحالي، واشتهرت أغنيات، مثل: أصبح الآن عندي بندقية، وزهرة المدائن، وكذلك أوبريت وطني الأكبر، الذي ضم العديد من مطربي الوطن العربي، ولحنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

مرات القراءة 2446 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018