اذهب إلى: تصفح، ابحث

ملخص رواية حليب اسود

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 28 / 10 / 2018
الكاتب محمد قيس

ملخص رواية حليب اسود

حليب أسود اليف شافاك

في (حليب أسود) تتحدث إليف شافاك عن نفسها، فهي تمثل بطلة الرواية بمراحل شبابها المختلفة، ابتداءً من اليوم الذي اختارت فيه تغيير اسمها إلى إليف شافاك عندما كانت أول قصصها في طريقها إلى النشر؛ فقد اختارت أن يكون لقبها هو اسم والدتها، فأصبحت تُوقِّع أعمالها الأدبية باسمها إليف، والذي يعود إلى (ألف) الحرف الأول في اللغة العربية، واسم والدتها شافاك، والذي يعود إلى الشفق أي الفجر.

والزمن الغالب في الرواية هو عندما انتبهت إلى نفسها في الخامسة والثلاثين، وبدأ حلم الأمومة يُراودها ويُقلقها، بينما تجيء الأزمان الأخرى على شكل ومضاتٍ تذكر فيها ما كانت عليه قبل ذلك، وما ستصير إليه بعد.

في تلك الفترة أصبحت تلاحظ الكثير مما يمر بها باعتباره إشاراتٍ وعلامات، مثل لقائها بسيدةٍ تُصرُّ على قراءة ما تكتبه إليف خلال إحدى الرحلات، فيُصادف أن ما تكتبه إليف هو مانفيستو المرأة العزباء، في حين أن تلك السيدة حامل وتصطحب معها عددًا من أبنائها وهي بعمر الخامسة والعشرين، الأمر الذي حرَّك عاطفة إليف، وهي التي آلت على نفسها ألَّا تتزوج. وعندما انتبهت إلى الورقة التي أعطاها إيَّاها الراكب الذي يجلس بجوارها على الجهة الأخرى لتكتب بها، وجدت أنها مطبوعة بشعار شركة مستلزمات الأطفال، وهي الشركة نفسها التي ستطلب منها مستلزمات طفلتها بعد حين.

في داخلها -كما في داخل كل منَّا- أجزاء مختلفة، وشخصيات متنوعة، فهناك التشيكوفية الطموحة، والمثقفة الواعية، والعملية المنجزة، والدرويشة النقية، يتبادلن القيادة داخلها، فتأخذها المثقفة إلى عوالم الكتب والقراءة والاطلاع، وتدفعها الطموحة إلى إجراء المقابلات والمشاركة في الندوات والعمل بجدٍّ على كتبها، وتعمل الدرويشة على إيجاد السلام الداخلي وفتح بصيرتها على جمال الحياة، بينما تمدها العملية بأسرع الطرق للوصول إلى غاياتها وتقدم لها الحلول لمُشكلاتها.

ما لم تكُن تعرفه إليف هو أن لها أجزاءً أخرى تجاهد لتُسمعها صوتها، ولكنها ظلَّت تتجاهلها لسنواتٍ حتى ضعف وجودها وكاد يتلاشى، جزء الأنثى التي تحب الاعتناء بنفسها، والاهتمام بأناقتها، والتي حين تحدثت إليها يومًا بعد وقوعها في الحب نبهتها إلى حقيقة ارتدائها الدائم للون الأسود دون غيره من الألوان، وعدم رغبتها في الظهور بمظهر الجميلة حتى تُؤخَذ كتاباتها مأخذ الجد، وأصبحت تُضيف إلى حياتها بعض اللمسات التي كانت إليف بحاجةٍ إليها، أما الصوت الآخر فهو صوت الأم داخلها، والذي تعارضه جميع الأجزاء الأخرى لأنهم يرون فيه تهديدًا لهم.

كاتبات العالم ضيوف إليف شافاك في حليب أسود

طوال الصفحات التي تقرب من الأربعمئة في رواية (حليب أسود) كانت إليف شافاك تراجع الحياة الشخصية لكاتباتٍ من الشرق والغرب، لتدرس كيف أثر الزواج وكيف أثرت الأمومة على نجاحهن واستمراريتهن ككاتبات.

وبالرغم من أن الكثير من المراجعات التي قامت بها أوصلتها إلى نهاياتٍ مأساوية لهؤلاء الكاتبات على الصعيد الاجتماعي، فقد وجدت طلاقًا وانتحارًا وأمومةً غير ناجحةٍ بمقاييس الأبناء، وتراجعًا في مستويات النجاح العملي. ورغم سفرها من تركيا لتبتعد عن الضغوط الاجتماعية، وقعت في حبِّ أيوب، شاب تركي التقته في إحدى إجازاتها بإسطنبول فتزوجت به، ولم تكُن حينها قد حسمت تردُّدها بشأن الأمومة، لتُفاجأ بحملها بعد ذلك، فهُرِعت لاستشارة الأجزاء المختلفة داخلها، فساندتها إليف الأم، وفرحت كثيرًا لسماع الخبر منها، وبدأت في إعدادها للمرحلة المقبلة من حياتها، لدرجة أنها تولَّت قيادة الأجزاء الأخرى، وسحبت منهم حقوق الشورى والديموقراطية!

أخذت إليف تُسجِّل لقُرَّائها تغيُّراتها أسبوعًا تلو الآخر، وبُعدها عن الكتابة شيئًا فشيئًا إلى أن تركتها بالكامل، تصادف ذلك مع تعرُّضها للمسائلة القانونية لتناولها قضية الأكراد في روايتها (لقيطة إسطنبول)، وسفر زوجها لقضاء خدمته العسكرية، وإنجابها، فدخلت إليف في اكتئاب ما بعد الولادة.

غيمٌ أسود غطى على حياتها وأسكت تلك الأصوات المتعددة لأجزائها التي كانت تستأنس بها وتستشيرها في أحوالها المختلفة، فلم تعُد تميل إلى القراءة لغياب روحها المثقفة، ولا إلى الكتابة والنشاطات المتعلقة بكتابها لغياب روحها الطموحة، وأصبحت تشعر بثقل مسؤولية الأمومة لبُعد روح الأم داخلها، حتى روحها الدرويشة لم تكُن موجودةً لتربطها بالمعاني الأسمى للوجود وتُحقِّق لها السلام الداخلي.

إليف شافاك تستلم لاكتئاب حياتها مع حليب أسود

لخوفها من تعارض أدوية علاج الاكتئاب مع الرضاعة الطبيعية، كانت تلقي بالحبوب التي يعطيها لها طبيبها، وتظل وحدها تقاوم ذلك المارد، استغرق الأمر الكثير من الأشهر كانت خلالها تسأل السيدات في كل مكانٍ عن تجاربهن لتجد أنها ليست وحدها، فكما قالت: "لطالما قيل لي إن النساء يقفزن من السعادة حالما يحملن مولودهن بين أذرعهن، لم يقُل أحد أن رؤوسهن قد تصطدم بالسقف وهن يقفزن فرحًا، فيُمسين دائخاتٍ بعض الوقت."
وترى أن مشاركتها تجارب النساء الأخريات قد ساعدها كثيرًا في فهم ما تمر به، إضافةً إلى الأبحاث الموسعة التي قامت بها عن اكتئاب ما بعد الولادة، والتي يُعدُّ هذا الكتاب جزءًا منها.

وبعد أن أخذ الأمر وقته بدأت تستعيد حياتها تدريجيًّا، وإلى الآن لا تستطيع الجزم بالسبب المباشر لتعافيها، هل هو عودتها إلى الكتابة الأدبية، أم مرور الوقت، أم العلاج الذي أصبحت تتناوله، كل ما تعرفه أنها عادت إلى الاستمتاع برفقة نسائها الصغيرات اللاتي يتواجدن داخلها، وعادت إلى أكثر شيءٍ تحبه في الحياة، رواية القصص والحكايات، وأنجبت طفلًا آخر بعد أقل من عامَين في دليلٍ أكيد على رؤيتها للجانب المشرق من الأمومة، لا سيمابعد أن حصلت على مربيةٍ تُقدِّر لها كثيرًا أنها توفر لها الوقت الكافي للكتابة.

الرأي في رواية حليب أسود لـ إليف شافاك

أميل إلى تسميته كتابًا أكثر من القول إنها رواية؛ فقد استطاعت الكاتبة أن تتحلى بقدرٍ كبير من الشجاعة لتتحدث عن نفسها وحياتها ومخاوفها ومرحلة الاكتئاب التي مرَّت بها، وشاركت قُرَّاءها خلال هذه الرحلة الشائقة أبحاثها بشأن الأديبات، كيف عشن حياتهن، وكيف أبدعن، وما الظروف التي صنعتهن، وما التغيير الذي صنعنه.

ناقشت قضايا مهمة تتعلق بالأدب النسوي، والناشطات الحقوقيات في مجال المرأة وحقيقة دورهن، والحياة العاصفة التي عاشتها الكثير من الأديبات، والتقلبات العاطفية الحادة اللاتي مررن بها، سردت قصصهن بتجردٍ تام دون تحيُّزٍ أو تزيينٍ للحقيقة، فقد كانت تحبهن على كل حال، وتتفهم اختلاف الظروف والتجارب البشرية لدرجةٍ يصعب معها الحكم على أي إنسانٍ من خلال تصرفاتٍ أقدم عليها.

والأجمل من ذلك كله، أن سلبية التجارب التي درستها لم يمنعها من أن تخوض تجربتها الخاصة، وتُراهن على قدرتها على عيش حياةٍ زوجية طبيعية، وإنجاب أبناءٍ تسعد بهم وتُسعدهم، وليس ذلك بغريبٍ على إليف التي عاشت طوال حياتها وفق مبادئها وأفكارها لا تخاف من أن تكون مختلفة، ساعدها في ذلك عالميتها وانفتاحها الثقافي الناشئ من تنقُّلها الدائم بين الدول منذ صغرها برفقة والدتها الدبلوماسية، وهو أمر ترى أنه غذَّى انفتاحها الفكري، وفي الوقت نفسه زاد من انطوائها الاجتماعي، نظرًا إلى حواجز اللغة والغربة التي كانت تجعلها تحتاج إلى الكثير من الوقت لتندمج في المكان الذي انتقلت إليه، فوجدت في الكتب رفقاء دائمين لها، فقرأت بلغاتٍ متعددة، في السياسية والفكر والأدب، وأبدعت كتبًا رائعة استحقت أن توضع إلى جانب تلك الكتب الرائعة التي لطالما أحبَّتها.

1253 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018