اذهب إلى: تصفح، ابحث

هل غرد الأصمعي بصفير البلبل

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 28 / 02 / 2019
الكاتب محمد قيس

هل غرد الأصمعي بصفير البلبل

مجلس الخليفة والذهب

يَزعُم مَن نسب قصيدة (صوت صفير البلبل) إلى الشاعر الأصمعي أنَّ أحداث هذه القصة حدثت في عهد الخليفة المنصور؛ إذ كان من عادة الخليفة أن يقيم مجلسًا للشعراء. ويزعم من ألَّف هذه القصة أن الخليفة سيَهَب وزن القصيدة ذهبًا لأيِّ شاعرٍ يُلقي قصيدةً جديدة لم يسمع بها من قبل.

ولأنَّ الخليفة كان حادَّ الذكاء، فقد كان يستطيع حفظ القصائد بعد إلقائها من أول مرة، بينما كان لديه غلام يحفظ القصيدة من بعد سماعها مرتَين، وجارية تحفظ القصيدة بعد سماعها ثلاث مرات. خلال مجلس الشعر، كان الخليفة المنصور يستقبل الشعراء لسماع أشعارهم، وكانت حيلة الخليفة بأن يسمع القصيدة ويعيدها من أول مرة، فإن استغرب الشاعر، ينادي على غلامه ليُلقيها بعد الخليفة، فهو من يحفظ بعد مرتين، ثم تُلقي الجارية القصيدة، وهي من تحفظ بعد ثلاث مرات؛ فيتفاجأ الشاعر ويشكَّ في نفسه كما يُقال! وكانت الحيلة مستمرة وناجحة، ولم يحظَ أي شاعرٍ بجائزة المجلس، واستمر هذا الحال مع عددٍ كبير من الشعراء.

الأصمعي يُغرِّد!

في يومٍ ما، دخل الأصمعي على الشعراء وهم جالسون في مجالسهم؛ وعلم بما يصيبهم من ذهولٍ حينما يُلقون قصائدهم التي يعرفون تمام المعرفة أنها لم تُؤلَّف أو تُلقى من قبل، إلا أنَّ الخليفة المنصور يُفاجئهم بحفظه للقصيدة بل إن الغلام والجارية أيضًا يحفظانها. أدرك الأصمعي أن في الأمر حيلةً ما.

أعدَّ الأصمعي قصيدته الشهيرة (صوت صفير البلبل)، وهي قصيدة غريبة الألفاظ متقاربة المخارج حتى لا يَسهُل حفظها، ودخل الأصمعي على الخليفة في مجلس الشعراء متنكرًا، مرتديًا لثامًا على وجهه حتى لا يعرفه أحد. فسأله الخليفة عن معرفته لقواعد المجلس، فأجاب الأصمعي بأنه يعرفها، فطلب الخليفة أن يلقيها عليهم، فكانت هذه الأبيات:

صوت صـفير البلبل ... هيج قــلبي الثمـلِ
الماء والزهر معًا ... مــع زهرِ لحظِ المٌقَلِ
وأنت يا ســيدَ لي ... وســــيدي ومولى لي
فكـم فكـم تيمـني ... غُـــزَيلٌ عقــيقَلي
قطَّفتَه من وجــنَةٍ ... من لثم ورد الخـجلِ
فـقال لا لا لا لا لا ... وقـــد غدا مهرولي
والخُوذ مالت طربا ... من فعل هذا الرجلِ
فــولولت وولولت ... ولـي ولي يا ويل لي
فقلت لا تولولــي ... وبيني اللؤلؤ لــي
قالت له حين كـذا ... انهض وجُــد بالنُّقلِ
وفتية سقــــونني ... قـــهوة كالعسل لي
شممــــتها بأنافي ... أزكـى من القرنفلِ
في وسط بستان حلي ... بالزهر والسـرور لي
والعود دن دندن لي ... والطبل طبطب طب لي
طب طبطب طب طبطب ... طب طبطب طبطب طب لي
والسقف سق سق سق لي ... والرقص قد طاب لي
شوى شوى وشــاهش ... على ورق ســــفرجلِ
وغرد القمري يصيح ... ملل فــــــي مللِ
ولـو تراني راكبا ... علــــى حمار أهزلِ
يمشي علــــى ثلاثة ... كمــــشية العرنجلِ
والناس ترجـم جملي ... في السوق بالقلقللِ
والكـل كعكع كعِكَع ... خلفي ومـن حويللي
لكــن مشيت هاربا ... من خشـية العقنقلِ
إلى لقاء مـــــلك ... مـــــــعظم مبجلِ
يأمر لي بخـــــلعة ... حمـراء كالدم دم لي
أجــر فيها ماشيا ... مبغــــددا للذيلِ
أنا الأديب الألمعي ... من حي أرض الموصلي
نظمت قطعا زخرفت ... يعجز عنها الأدبُ لي
أقول في مطلعـــها ... صوت صفير البلبلِ

وبعدما انتهى الأصمعي من إلقاء قصيدته، لم يستطع الخليفة أن يحفظ القصيدة، نظرًا إلى غرابتها، ثم نادى على الغلام، وقال: يا غلام، هل تحفظ هذه القصيدة؟ فقال: لا والله. فنادى على الجارية، وقال: يا جارية، هل سمعت من قبل بهذه القصيدة؟ فقالت: لم أسمع هذه القصيدة قط. وحينذاك قال الخليفة للأعرابي: يا أعرابي هات ما كتبت عليه هذه القصيدة. فقال: لقد كتبتها على لوحٍ من الرخام، وأحتاج إلى أربعة من الرجال حتى يحملونه.
واستطاع الأصمعي أن يأخذ من خزينة الدولة ذهبًا بوزن لوح الرخام، إلا أنَّ أحد الجالسين كشفه وعلم بأنه الأصمعي. فقال الخليفة: آتوني بهذا الأعرابي. وعندما جاء قال للأعرابي: أزل اللثام عن وجهك. فلما أزاله تبينوا أنه الأصمعي. فقال الخليفة: أعد الذهب. إلا أنَّ الأصمعي قال: سوف أعيده لكن بشرط "يشترط على الخليفة"، فقال الخليفة: ما هو؟، قال: أن تعطي كل شاعرٍ ثمن قصيدته ذهبًا كما وعدت. فقال الخليفة: أفعل. وحينذاك أعاد الأصمعي الأموال وأعطى الخليفة المكافئات للشعراء.

الكذب على الأصمعي

قال أهل الاختصاص عن هذه القصيدة: قصيدةٌ لا تثبتُ تاريخيّاً، ولا تستقيمُ لغةً، ولا ذوقًا.

فإذا عَلِمتَ أنَّ أولَ من ذكرَها هو (الإتليدي)، وكانَ بينهُ وبينَ الحادثةِ التي يرويها قرابةَ تسعة قرون! إضافةً إلى أنَّ الإتليدي لا يوثَقُ بمنقوله، فكيفَ إذا حكى شيئًا حدث قبل عصرهِ بتسعمئة سنة، بلا إسنادٍ ولا توثيق.
وإذا رأيتَ ركاكةَ ألفاظها، قلتَ هل يُعقلُ أن يقولَ الأصمعيُّ مثلَ هذا؟!

أخطاءٌ تاريخية ولغة غير عربية!

روى أهل التاريخ أنَّ الأصمعي اتصل بالخليفة هارون الرشيد وكان من ندمائه، ولم يَرِد أبدًا أنه كان من جلساء المنصور، ولو وقع ذلك حقًّا لذكره المؤرخون؛ فقد وُلِد الأصمعي سنة 121هـ، وتولَّى المنصور الخلافة من سنة 136 هـ حتى 158هـ، فيكون الأصمعي أدرك عهده في أول شبابه.

أما الأخطاء النحوية واللغوية:

كل من يقرأ قصيدة صفير البلبل من أهل اللغة سيسخر من كثرة أخطائها وجمعها لمفرداتٍ لم تَرِد أصلًا في اللغة، وهذه الأخطاء لا يقع فيها دارس مبتدئ، فكيف نصدِّق أن يقع فيها رجلٌ ألمعيٌّ من جهابذة الشعراء كالأصمعي، وهو من أكبر علماء اللغة؟! فمن كذب على الأصمعي وألصق به قصيدة (صفير البلبل) لا يعرفُ قدر هذا الشاعر وقدراته.

إفادة وإضافة

مما عُرِف عن أبي جعفر المنصور أنه كان حريصًا جدًّا على مال المسلمين حتى لُقِّب بالدوانيقي، وهو الذي يستقصي في الحسابات، فكيف يصحُّ أن يقوم رجلٌ هذا لقبه بإفراغ بيت المال لرجلٍ لا يعرفه ويعطيه وزن لوحٍ من الرخام ذهبًا؟!

600 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018