اذهب إلى: تصفح، ابحث

يوسف ادريس ثورة قلم

التاريخ آخر تحديث بتاريخ 07 / 01 / 2019
الكاتب محمد قيس

يوسف ادريس ثورة قلم

في كتابٍ له بعنوان (العزف المنفرد)، يعزف الأديب والكاتب الكبير يوسف إدريس بالكلمات، قائلًا يصف شغفه ورسالته في الكتابة: "إنني لا أكتب بناءً على تحديدٍ دقيق لوظيفتي في الحياة، فلست أعرف لي وظيفةً غير محاولة مساعدة الآخرين، وحين أرى عقل أمتي هو الغائب، فلا أفكر لثانيةٍ واحدة في أي شيءٍ سوى أن أعتبر نفسي مجندًا، تمامًا كالمجند إجباريًّا في القوات المسلحة للدفاع عن الوطن العقل، أو العقل الوطن". فالقلم هو سلاحه للثورة وللدفاع عن كل محتاج.

كان يوسف إدريس طبيبًا وكاتب محترف يرى الثورة الحقيقية في البناء لا الهدم، فالثورة هي التي تبني مجتمعًا أفضل، وتُوفِّر ظروفًا معيشية أرقى، وتعمل على محاربة الضلال بالفكر، ومحاربة الفساد بالقلم.

وعند قراءة أدب يوسف إدريس سنرى نظرته إلى الإنسان خلال الفترة التي عايشها، إذ رسم الإنسان بقلمه كتلةً من المشاعر والأحاسيس التي تكشف أسرار الحياة، كما اهتم بتصوير الحياة الاجتماعية في الريف والحضر، والحياة الشعبية المصرية الأصيلة، أضِف إلى ذلك تناوله للقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية في قصصه ورواياته ومسرحياته.

وفيما يلي نستعرض معًا أشهر ما كتب من قصص، وأهم ما ناقش من قضايا:

نظرة .. عمالة الأطفال

"أخيرًا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم في بطءٍ كحكمة الكبار، واستأنفت سيرها على الجانب الآخر. وقبل أن تختفي شاهدتُها تتوقَّف ولا تتحرَّك، وكادت عربة تدهمني وأنا أسرع لإنقاذها، وحين وصلت كان كل شيءٍ على ما يرام، والحوض والصينية في أتم اعتدال، أما هي فكانت واقفةً في ثباتٍ تتفرج، ووجهها المنكمش الأسمر يتابع كرة المطاط يتقاذفها أطفال في مثل حجمها وأكبر منها، وهم يُهلِّلون ويصرخون ويضحكون".

في قصة (نظرة) الشهيرة صوَّر يوسف إدريس مظاهر القهر والحرمان الذي يُعاني منه أطفال الطبقة الفقيرة، والاستغلال الذي يتعرضون إليه، وعملهم في مثل هذه السنِّ الصغيرة، على الرغم من أنَّ غيرهم من الأطفال من السنِّ نفسها يلعبون ويمرحون، ولكنَّ هذه الطفلة المسكينة النحيلة تجري وهي خائفة من بطش سيِّدتها.

(نظرة) من أجمل القصص القصيرة ذات الكتابة الادبية، وقد استطاع الكاتب أن يُوصل بها -في صفحةٍ ونصف فقط- رسالته الثائرة عن عمالة الأطفال والمعاملة التي يتعرَّضون إليها استغلالًا لفقرهم.

الحرام .. ومفاهيم المجتمع

"ولم يكُن أحد يسأل عن سرِّ هذا التحريم أو يحاول مناقشته، فما أكثر ما يُحرَّم على الأطفال والأولاد ولا يستطيعون مناقشته، وهل يستطيع أحد أن يناقش أباه حين يقول له هذا عيب أو هذا حرام؟!".

بهذه الكلمات الجريئة في رواية (الحرام) ناقش يوسف إدريس النظام الإقطاعي ونظام التفتيش، الذي كان سائدًا في تلك الفترة، والذي كان يوقع الظلم على الفلاح المصري. كما صوَّر مشاهد واقعية للعربات التي تحمل الأنفار وعمال التراحيل دون تفرقةٍ بين رجل أو امرأة أو حتى ولد صغير.

كل ذلك بالإضافة لتطرُّقه إلى التغلغُل في مفهوم الحرام والعيب والشرف السائد في الريف، والمفاهيم الأخلاقية الموروثة في المجتمع. ونظرًا إلى هذا الطرح الجريء رُشِّح فيلم (الحرام) المأخوذ عن الرواية إلى جائزة السعفة الذهبية لمهرجان (كان) في عام 1956.

قصة العسكري الأسود

"بعد أن كانت كليتنا تموج بالمؤتمرات والخطب والثوار، أصبحت تموج بالبوليس السياسي والإشاعات والخوف وحرب الأعصاب، وتشتَّت شمل الجيل، دخل السجن بعضه، والبعض اختفى وهرب في الأرياف والمدن البعيدة، وأحيانًا داخل نفسه، حفر حفرة عميقة في صدره دفن فيها ثورته ومعتقداته وردم عليها".

لم تُناقش قصة العسكري الأسود قضيةً مجتمعية هذه المرة، بل تناولت التعذيب في المعتقلات السياسية، فقد كتبها وقت إعلان الأحكام العرفية في مصر، وتسرب الشهادات عن التجاوز الذي كان يحدث من البوليس السياسي من تعذيبٍ وغيره خلال وجود حكومة إبراهيم عبدالهادي، في الفترة ما بين 1947 و1948.

بطل القصة العسكري الأسود عباس الزنفلي وحش التعذيب والقمع، الذي لاقى مصيرًا يليق بوحشيته في تصويرٍ مبدع للحكمة القديمة: "كما تدين تُدان".

وُلِد الأديب يوسف إدريس في 19 مايو عام 1927، بمحافظة الشرقية لأسرةٍ ريفية ميسورة الحال، وتخرَّج في كلية الطب بجامعة القاهرة في عام 1951، ودخل عالم القصة القصيرة في العام 1953. وتوفي الأديب الشجاع في الأول من أغسطس 1991، ليترك العالم من بعده عاريًا من ثورة القلم والشجاعة.

632 عدد مرات القراءة
الحقوق محفوظة لموقع مقالات 2018